وإنما قلنا بحرمة الاقتراض بالربا في هذه الحالة لعدم تحقق شروط الضرورة ولعموم الأدلة القاضية بتحريم الربا التي لم تفرق بين دار و دار ، ولا بين مسلم وغيره فليأخذ العاقل من تقواه لفتواه ومن دنياه لأخراه ، قبل { أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِي جَنْبِ اللهِ }
وبهذا نكون قد أتينا على أهم ضوابط الفتوى ، حتى تكون معتبرة شرعا ومقبولة طبعا .
المبحث الرابع
أثر الفتوى في رشاد الأمة
إذا كانت الفتوى مؤصلة تأصيلا شرعيا سليما من التنطع ، معافى من التسبب ، بعيدا عن الأقوال الشاذة ، نائبا عن الأدلة التالفة مراعي فيه رضى الحق وملاحظا به مصالح الخلق ، فإن الفتوى تترك في الأمة آثارا طيبة نجملها فيما يلي:
أ- إزالة الجهل: إن سؤال المستفتي وإجابة المفتي نوع من المدارسة العلمية ، يتعلم فيها السائل أحكام الدين ، وهو نوع من العلم الذي حض الله تعالى على تحصيله في كتابه الكريم ، حي ثقال { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [التوبة: 122] .
وقال تعالى أيضا: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } [النحل: 43] .
كما أن الآيات الأولى التي نزل بها الوحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت حضا على العلم لأنه ينير العقول والبصائر ، ويستنهض الهمم والضمائر ويزيل الجهل ، ويصقل العقل ، وترتقي به الأمة ويعلو شأنها .
لقد قامت مدرسة النبوة على التوحيد الذي يحفظ العقل من الخرافة كما قامت على العلم الذي يصون الإنسان من الجهالة ، فتخرج منها رجال كانوا منارات هداية للسائرين ومشاعل علم ومعرفة للقاصدين .