وعلى هذا: فالفقيه من يطبق بين الواقع والواجب ، وينفذ الواجب بحسب استطاعته لا من يلقي العداوة بين الواجب والواقع (( فلكل زمان حكم ، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم ) ) (1) .
غير أنه لا تصح مخالفة النصوص ، ولا تأويلها تأويلا متعسفا ، ولا تطويعها لواقع غير إسلامي بدعوى فهم الواقع فهذا تحريف للكلم عن مواضعه ، واستسلام لضغوط واقع غير إسلامي ، نتيجة ضعف النفس ، وعجز الإرادة .
وثامن هذه الضوابط: مراعاة القواعد الشرعية المؤثرة في الفتوى ، كسد الذرائع والحيل ، والضرورات .
أما الذرائع: فقد قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية: الذريعة ما كانت وسيلة وطريقا إلى الشيء لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم ، ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن لها مفسدة ولهذا قيل: الذريعة: الفعل الذي ظاهره مباح وهو وسيلة إلى فعل محرم )) (2) .
وقد قسم القرافي الذرائع إلى ثلاثة أقسام:
فالقسم الأول: ما أجمعت الأمة على سده ومنعه وحسمه كالمنع من سب الأصنام عند من يعلم حاله أنه يسب الله تعالى عند سبها وكحفر الآبار في طرق المسلمين فإنه وسيلة إلى إهلاكهم فيها .
والقسم الثاني: ما أجمعت الأمة على عدم منعه ، كالمنع من زراعة العنب خشية الخمر ، وكالمنع من المجاورة في البيوت خشية الزنى ، فإنه لم يقل به أحد .
والقسم الثالث: ما اختلف فيه العلماء هل يسد أم لا ، كبيوع الآجال عند المالكية كمن باع سلعة بعشرة دراهم إلى شهر ثم اشتراها بخمسة قبل الشهر فمالك يقول: إنه أخرج من يده خمسة الآن ، واخذ عشرة آخر الشهر ، فهذه وسيلة لسلف خمسة بعشرة إلى أجل توسلا بإظهار صورة البيع لذلك . والشافعي يقول: ينظر على صورة البيع ويحمل الأمر على ظاهره فيجوز ذلك (3) .
فالفتوى الشرعية تأخذ في اعتبارها ذلك كله ، لا سيما ما يفضي إلى الحرام .
(1) إعلام الموقعين 2/220.
(2) الفتاوى الكبرى 3/356.
(3) انظر: الفروق 2/32، 33.