وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال ، كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة ، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى ، لأن اتباع الهوى مهلك والأدلة كثيرة .
فعلى هذا يكون الميل إلى الرخص في الفتوى بإطلاق مضادا للمشي على التوسط كما أن الميل إلى التشديد مضاد له أيضا .
وربما فهم بعض الناس أن ترك الترخص تشديد فلا يجعل بينهما وسطا وهذا غلط ، والوسط هو معظم الشريعة وأم الكتاب ومن تأمل موارد الأحكام بالاستقراء التام عرف ذلك )) (1)
4-فهم الواقع والفقه فيه: إن من واجب المفتي أن يكون بصيرا بزمانه ، عارفا بأوانه ، فاهما لواقعه حتى تكون فتاواه مبنية على تصور سليم ، واستنباط قويم وقديما قال أهل العلم: (( الحكم على الشيء فرع عن تصوره ) )والمفتي الذي لا يعرف الواقع الذي يفتي فيه ، يخطئ في كثير من فتاويه ، ويعرض الناس إلى النفرة من الدين والبعد عن محجة المتقين .
قال ابن القيم: (( ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع ، والفقه فيه ، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما .
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع ، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه ، أو على لسانه رسوله في هذا ا لواقع ، ثم يطبق أحدهما على الآخر ، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا .
فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله ، كما تصول شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه ... ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا ، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله )) (2) .
(1) الموافقات للشاطبي 4/188-190.
(2) إعلام الموقعين 1/77-88.