لهذا جعل كبار العلماء العلم: معرفة الاختلاف ، حتى قال قتادة: (( من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه ) ).
وقال عطاء: (( لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالما باختلاف الناس ، فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه ) )
وعن مالك: لا تجوز الفتيا إلا لمن علم ما اختلف الناس فيه ، قيل له: اختلاف أهل الرأي ؟ قال: لا ، اختلاف أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - علم الناسخ والمنسوخ من القرآن ومن حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
وقال يحي بن سلام: لا ينبغي لمن لا يعرف الاختلاف أن يفتي ، ولا يجوز لمن لا يعلم الأقاويل أن يقول: هذا أحب إلي .
وعن سعيد بن أبي عروبة قال: من لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالما ، قال الشاطبي بعد هذه الأقوال: (( وكلام الناس هنا كثير ، وحاصله: معرفة مواقع الخلاف ، لا حفظ مجرد الخلاف ، ومعرفة ذلك إنما تحصل بالنظر ، فلابد منه لكل مجتهد ، وكثيرا ما تجد هذا للمحققين في النظر ) ) (1) .
3-القصد والاعتدال: إن المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور فلا يذهب بهم مذهب الشدة ، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال .
والدليل على صحة هذا: أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة ذلك أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع ، ولذلك كان ما خرج ع المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين .
وأيضا فإن هذا المذهب كان المفهوم من شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الأكرمين ، وقد رد عليه الصلاة والسلام التبتل .
(1) انظر: الموافقات للشاطبي 4/116 - 117 ، وانظر تلك الىثار السابقة في صحيح جامع بيان العلم وفضله ص 319- 321.