فقد جاء في البحر المحيط نقلا عن مختصر التقريب: (( وأجمعوا على أنه لا يحل لمن شدا شيئا من العلم أن يفتي ) ) (1) .
وقال الجويني في شرح الرسالة: (( من حفظ نصوص الشافعي وأقوال الناس بأسرها غير أنه لا يعرف حقائقها ومعانيها لا يجوز له أن يجتهد ويقيس ، ولا يكون من أهل الفتوى ولو أفتى به لا يجوز ) ) (2)
تلك هي شروط المفتي .
أما الخصال التي يجب على المفتي الاتصاف بها فقد أجملها الإمام أحمد بن حنبل بقوله: (( لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:
أولها: أن تكون له نية ، فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نورا ، ولا على كلامه نور.
وثانيها: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة .
وثالثها: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته .
ورابعها: الكفاية وإلا مضغه الناس .
وخامسها: معرفة الناس )) (3) .
ومما يجب التنبه له أن المفتي ليس الذي تتحقق فيه تلك الشروط والخصال فحسب بل هو الذي يستصحب معها مواصفات أخرى تعتبر مكملة للشروط السابقة ، نجملها فيما يلي:
1-فهم مقاصد الشريعة: إن مراعاة مقاصد الشرعية أمر تشهد له قواعد الشريعة ، وقد كانت هذه المقاصد محل اعتبار لدى الأئمة المجتهدين ، والعلماء المحققين لهذا وجدنا جمهور أهل العلم يقررون أن الأحكام بمقاصدها على تفاوت بينهم في مدى الأخذ بهذا المبدأ ذلك أن نصوص الشريعة وأحكامها معللة بمصالح ومقاصد وضعت لأجلها فينبغي عدم إهمالها عند تقرير الأحكام .
2-معرفة مواضع الخلاف: إن البصير بمواضع الاختلاف العالم بمدارك العلماء المتأمل في أدلتهم ، الواقف على استنباطاتهم ، حري به أن يتبين له الحق في النوازل العارضة والوقائع المتجددة فيفتي بأقواها حجة وأقومها محجة ، وقد تضيق بالناس الأحوال وتتكافأ فيها الأقوال فيختار منها ما يصلح حالهم ، ويخرجهم من حرجهم .
(1) البحر المحيط 6/307.
(2) البحر المحيط 6/307.
(3) إعلام الموقعين 4/199.