الصفحة 25 من 38

قال صالح بن أحمد: قلت لأبي: ما تقول في الرجل يسأل عن الشيء فيجيب بما في الحديث وليس بعالم في الفقه ؟ فقال: يجب على الرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بوجوه القرآن عالما بالأسانيد الصحيحة عالما بالسنن ، وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها . )) .

وقيل لابن المبارك: (( متى يفتي الرجل ؟ قال: إذا كان عالما بالأثر بصيرا بالرأي ) )

وقيل ليحي بن أكثم: (( متى يجب للرجل أن يفتي ؟ فقال: إذا كان بصيرا بالرأي بصيرا بالأثر ) )

قال ابن القيم بعد الأثرين السابقين: يريدان بالرأي القياس الصحيح ، والمعاني والعلل الصحيحة التي علق الشارع بها الأحكام وجعلها مؤثرة فيها طردا وعكسا )) (1) .

لهذا كله ذهب أكثر الأصوليين إلى أن (( المفتي هو المجتهد ) ) (2) ، بل قال الكمال بن الهمام: (( وقد استقر رأي الأصوليين على أن المفتي هو المجتهد ، وأما غير المجتهد ممن يحفظ أقوال المجتهد فليس بمفت ، والواجب عليه إذا سئل أن يذكر قول المجتهد ، كالإمام أبي حنيفة على وجه الحكاية ، فعرف أن ما يكون في زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى بل هو نقل كلام المفتي ليأخذ به المستفتي ) ) (3) .

وقد عبر الأصوليون عن (( غير المجتهد ) )بالمستفتي تارة ، وبالمقلد تارة أخرى ، ولهذا اختلفوا في جواز إفتائه:

فقال أبو الحسن البصري وغيره: ليس له الإفتاء مطلقا.

وجوزه قوم مطلقا إذا عرف المسألة بدليلها .

ونقول: وهذا أرفق بزماننا الذي خلا عن المجتهد المطلق ، لئلا تتوقف الفتوى وتتعاظم البلوى ، ويشتد الحرج ، وتتعطل مصالح الخلق .

ولا يعني هذا أن يتصدر للفتوى من حفظ بعض الأحكام ، أو أجاد تنميق الكلام .

(1) إعلام الموقعين: 1/47.

(2) البرهان في أصول الفقه 2/1332.

(3) فتح القدير 7/256.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت