والمعروف أن أصحاب الإمام أبو حنيفة خالفوا إمامهم في مسائل كان مبناها على العرف أو تغير الزمان والمكان والأحوال ، لاسيما بعد وفاته ، وعلل الفقهاء هذا النوع من الاختلاف بأنه اختلاف عصر وزمان ، لا اختلاف حجة وبرهان .
والإمام الشافعي صار له مذهب جديد حين استقر به المقام في مصر ، لأمور عديدة من أهمها: تغير الزمان ، والمكان والأحوال .
ولهذا رجح الفقهاء بعض الأقوال على بعضها الآخر عند اختلافها اعتبارا للعرف أو الحال أو الزمان أو المكان ، قال الحصكفي: (( قد يحكون أقوالا بلا ترجيح ، وقد يختلفون في الصحيح قلت: يعمل بمثل ما عملوا من اعتبار تغير العرف ، وأحوال الناس وما هو الأوفق وما ظهر عليه التعامل وما قوي وجهه ) ) (1) .
وعلى الفقيه مراعاة الأحوال قبل إصدار فتواه إذ قد يكون الحكم مبنيا على معنى معين ثم يتغير ذلك المعنى كما في صدقة الفطر (( فقد جاء الحديث الشريف بإخراج صاع من تمر أو شعير أو زبيب أو أقط ) )وقد قال العلماء: يجوز إخراج صدقة الفطر من الذرة أو الأرز أوغيرهما إذا كانت هذه الأصناف غالب أقوات البلد ، وعللوا ذلك بأن الأصناف الواردة في الحديث الشريف إنما جاءت لأنها كانت هي غالب أقوات أهل المدينة ، ولم تأت على سبيل الحصر والتخصيص (2) .
والمعروف أن (( الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال ، وذلك كله من دين الله ) ) (3) (( فلكل زمان حكم ، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم ) ) (4) .
غير أنه لا تصح مخالفة النصوص أو تأويلها تأويلا متعسفا ولا تطويعها لواقع غير إسلامي بدعوى فهم الواقع أو تغير الزمان والمكان فهذا تحريف للكلم عن مواضعه واتباع لما تهوى الأنفس .
5-وخامس هذه الضوابط: عدم الإجمال فيما يقتضي التفصيل:
(1) الدر المختار 1/77-78 المطبوع مع حاشية ابن عابدين .
(2) انظر: أصول الدعوة ص 167-168.
(3) إعلام الموقعين 4/205.
(4) إعلام الموقعين 4/220.