الصفحة 21 من 38

إذا كان في المسألة تفصيل فليس للمفتي إطلاق الجواب ، بل عليه أن يستفصل السائل حتى يعطيه الجواب الموافق لمسألته لأن إجمال الفتوى في مثل هذه الحالة تجعل الحكم واحدا لصور مختلفة تختلف الفتوى باختلافها فيجيب بغير الصواب فيهلك ويهلك وما ذلك إلا لعدم التبين .

ويدل على ذلك أن أبا النعمان بن بشير سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يشهد على غلام نحله ابنه فاستفصله النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له: (( أكل ولدتك نحلته كذلك ؟ ) )فقال لا ، فأبى أن يشهد .

قال ابن القيم: (( وقد استفصل النبي - صلى الله عليه وسلم - ماعزا لما أقر بالزنا: هل وجد منه مقدماته أو حقيقته ؟ فلما أجابه عن الحقيقة استفصله: هل به جنون فيكون إقراره غير معتبر أم هو عاقل ؟ فلما علم عقله استفصله: بأن أمر باستنكاهه ، ليعلم هل هو سكران أم صاح ؟ فلما علم أنه صاح استفصله: هل أحسن أم لا ، فلما علم أنه قد أحسن أقام عليه الحد ) ) (1) .

أما إذا لم تدع الحاجة إلى الاستفصال فيحسن بالمفتي عند ذلك الإجمال .

6-وسادس هذه الضوابط: التجرد من الهوى في المفتي والمستفتي:

إن من أهم الضوابط لسلامة الفتوى تجردها من الأهواء ، سواء كان مبعثها المستفتي أو المفتي .

أما المستفتي: فقد يدفعه هوى متبع فيزين الباطل بألفاظ حسنة ليغرر بالمفتي حتى يسوغ ذلك للناس ، مع أن ما يسال عنه من أبطل الباطل .

قال ابن القيم: (( فكم من باطل يخرجه الرجل - يحسن لفظه وتنميقه وإبرازه - في صورة حق وكم من حق يخرجه - بتهجينه وسوء تعبيره - في صورة باطل ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك بل هو أغلب أحوال الناس ) ) (2) .

ولهذا اشترط العلماء في المفتي أن يكون متيقظا حتى لا تغلب عليه الغفلة والسهو عالما بحيل الناس ودسائسهم حتى لا يغلبوه بمكرهم فيستخرجوا منه الفتاوى حسب أهواءهم .

(1) إعلام الموقعين 4/187.

(2) إعلام الموقعين 4/229. 4

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت