عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر حديث اللعان وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( أبصروها ، فإن جاءت به أكحل العينين ، سابغ الإليتين ، خدلج الساقين(1) فهو لشريك بن سحماء ، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال ابن أمية ))فجاءت به على النعت المكروه ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( لو ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن ) ) (2) .
يريد والله ورسوله أعلم أنه كان يحدها لمشابهة ولدها للرجل الذي رميت به ، ولكن كتاب الله فصل الحكومة ، وأسقط كل قول وراءه ، ولم يبق للاجتهاد بعده موقع (3) .
فالفتوى الشرعية إذن يجب أن تعتمد على كتاب الله تعالى ، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ولهذا يحسن بالمفتي أن يبين الدليل ، لأن جمال الفتوى ، وروحها هو الدليل (( وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل عن المسألة فيضرب لها الأمثال ، ويشبهها بنظائرها وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سئل أحدهم عن مسألة أفتى بالحجة نفسها ، فيقول قال الله تعالى كذا ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا أو فعل كذا ، فيشفي السائل ويبلغ القائل ، وهذا كثير جدا في فتاويهم لمن تأملها .
ثم جاء التابعون والأئمة من بعدهم فكان أحدهم يذكر الحكم ثم يستدل عليه وعلمه يأبى أن يتكرم بلا حجة ، والسائل يأبى قبول قوله بلا دليل ، ثم طال الأمد وبعد العهد بالعلم ، وتقاصرت الهمم إلى أن صار بعضهم يجيب بنعم أو لا فقط ، ولا يذكر للجواب دليلا ولا مأخذا ، ويعترف بقصوره وفضل من يفتي بالدليل ، ثم نزلنا درجة أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذمه .
(1) أي: ممتلئ الساقين .
(2) رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي ، كما في منتقى الأخبار المطبوع مع نيل الأوطار 6/272.
(3) أنظر: إعلام الموقعين 2/280، 281.