ومع هذا فالنوازلُ والوقائعُ لا حصرَ لها، ففي كل يوم يتجددُ منها الكثيرُ، ولله تعالى حكمٌ في كل مسألة، وإنما يُؤخذ ذلك بالاجتهاد على طرق الاستدلال المعروفة، والفهم، وإنما يتم ذلك بأصول الفقه.
فلما كان هذا العلمُ بهذه المثابة، احتيج إلى وضع مؤلفات فيه، تُبينُ مصطلحاتِ أصحابه، وتبين مرادَهم بكثير من الأمور التي تخفى على من سواهم، وأولُ من جمع كتابا مستقلا في هذا العلم، هو: محمدُ بنُ إدريسَ الشافعي المطلبي القرشي، ولد سنة 150 هـ، وتوفي سنة 204 هـ، وقد ألف فيه رسالته المشهورة، ثم بعده تتابع الناس في التأليف في هذا العلم.
وقد اشتهر فيه مدرستان:
إحداهما: مدرسة الفقهاء، وهي التي أخذ بها فقهاء الحنفية، وهي تنطلق من الفتاوِي [الفتاوَى] والمسائل التي تُروى عن الأئمة، فيجمعون منها حشدا كبيرا، فيجعلون منه قاعدة.
والثانيةُ: مدرسة المتكلمين، وعليها سار فقهاءُ المالكية والشافعية والحنابلة، وهي تنطلق من أصل القاعدة، فتمثل لها ببعض الفروع، ولا تذكر من الفروع إلا ما كان مثالا للقاعدة فقط، وهذه الطريقة هي التي كثرت التآليف فيها.
وقد حاول بعض المتأخرين الجمع بين الطريقتين، فألفوا بعض الكتب التي تجمع بين طريقة المتكلمين وطريقة الحنفية.
وتنوعت التآليفُ في علم أصول الفقه، ما بين مختصر ومبسوط، ونظم ونثر.
وهذه الورقات قد وضع الله عليها القَبولَ، فلاقت شهرة ورواجًا، منذ عصر المؤلف إلى وقتنا هذا، ولم يزل الناس يشرحونها وينظمونها ويدرسونها ويحفظونها لأولادهم.
(بسم الله الرحمن الرحيم)
ابتدأ المصنف رحمه الله كتابه بالبسملة اقتداءً بالقرآن الكريم؛ فإن الله افتتحه بالبسملة وبعدها بحمد الله عز وجل.
والمقصود هنا: أبدأ مستعينا بسم الله الرحمن الرحيم.
[مقدمة]