مثل قوله تعالى: { لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ } [1] ، فلا يصير الأمر ثابتا بالنهي، بل لأن الكتمان لم يبق مشروعا لما تعلق بإظهاره من أحكام الشرع ، فصار بهذه الواسطة أمرا، وهذا مثل قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) [2] :"لا نكاح إلا بشهود" [3]
ش: هذا جواب عن استدلال الجصاص على مدعاه، في أن النهي عن الشيء أمر بضده ، إذا كان له ضد واحد، فإن الإظهار ضد واحد للكتمان .
وجه الجواب أن يقال: لا نسلم أنه نهى أريد به أمر بضده، بل هو نسخ للكتمان ؛لأن صيغته للنفي لا للنهى، فصار نسخا [4] ،
(1) تمام الآية { لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا } [سورة الأحزاب: 52]
(2) ساقطة من:ت ، د .
(3) قال ابن حجر - رحمه الله تعالى -: هذا النص لم أره بهذا اللفظ ، و في الباب آحاديث أخرى، وذكر منها حديثا ذكره ابن حبان في صحيحه عن السيدة عائشة - رضى الله تعالى عنها- بلفظ:"لا نكاح إلا بولى وشاهدي عدل"، وقال ابن الملقن الأنصاري: قال ابن حبان: لا يصح ذكر الشاهدين إلا في هذا الحديث .
( قلت: إن النص الذي ذكره المصنف، وتابعه عليه الشارح ليس بحديث بناء =
= على ما قرره ابن حجر - رحمه الله تعالى - ولهذا الحديث طرق ضعيفة لا نحتاج إليها مع الرواية الصحيحة الذي ذكرها ابن حجر عن ابن حبان - رحمهما الله تعالى - .
الدراية في تخريج أحاديث الهدايةلابن حجر:2/55 ، صحيح ابن حبان كتاب النكاح ، ذكر نقى إجازة النكاح بغير ولى وشاهدى عدل:9/386، خلاصة البدر المنير لابن الملقن:2/176 .
(4) هذا جواب المصنف عن تمسك الجصاص بالإجماع على أن المرأة منهية عن كتمان ما في رحمها من الحيض والحبل .
وتقرير هذا الجواب أن يقال: الآية ليست بنهي - كما زعم الجصاص - حتى يكون الأمر بالإظهار ثابتا به على ما زعم، بل هو نسخ له أي رفع لجواز الكتمان أصلا؛ لأنه صيغة نفي لا نهى ، مثل قوله تعالى:: { لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ } الآية ؛ فإنه ليس بنهى للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن التزوج؛ بل هو نسخ لقوله - عز وجل -: الآية { إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ00000 } سورة الأحزاب:50 . كشف الأسرارلعبد العزيز البخاري، وممن ذكر هذا النسخ المقري في الناسخ والمنسوخ: 55،56، والناسخ والمنسوخ للكرمي: 168،والناسخ والمنسوخ لابن حزم:30 .
( قلت: هذا الجواب فيه نظر لأمرين:
* أولهما: أن ما أجاب به فخر الإسلام البزدوى وشمس الأئمة السر خسي - عما تمسك به الجصاص يرد عليه:
أن النسخ هو"رفع حكم شرعي بحكم شرعي آخر متأخر عنه"فهل كان الكتمان جائزا للمرأة ، وثابتا بدليل شرعي حتى جاء قوله تعالى:: { وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } لينسخ هذا الحكم السابق؟ أم أن الكتمان كان من عادة النساء في الجاهلية ليُلحقن الولد بالزوج الجديد، وهذا ما عزاه الإمام القرطبي- رحمه الله تعالى - إلى قتادة:رضى الله عنه، ثم قال - أي الإمام القرطبي -: ففي ذلك نزلت الآية .
* ثانيهما: أن العلماء وضعوا شروطا معتبرة في ثبوت النسخ، ومن هذه الشروط: أن يكون الحكم المنسوخ مشروعا، بمعنى أن يثبت هذا الحكم المنسوخ بخطاب الشرع، فأما إن كان ثابتا بالعادة والتعارف لم يكن نسخا، وكان ابتداء شرع .الناسخ والمنسوخ لابن الجوزي:96 ،97.=
= ( وبناء على ذلك: فإن قوله تعالى { وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ.. } نفي بمعنى النهي؛ لأن النهي الدال على التحريم قد يستفاد - أحيانا - من نفي الحل كما في الآية التي معنا ، والذي يقوي ما ذكر من التعقيب على كلام المصنف وشمس الأئمة أن الشارح أجاب عن كلامهما فنفى أن في الآية نسخا . وسيأتي الجواب عن هذا ص 112، وما بعدها من الرسالة.