لأن الثابت مقصودا ثابت من كل وجه، والثابت ضرورة ثابت بقدر ما ترتفع به الضرورة، فيثبت بكل واحد من قسمي الأمر والنهي في ضده أدنى ما يثبت به وهو الكراهة في ضد ما نسب إليه الأمر،
وكون ضد ما نسب إليه النهي في معنى سنة قريبة من الواجب؛لأن الكراهة أدنى من الحرمة، والسنة أدنى من الواجب .
وقال القاضي أبو زيد- رحمه الله تعالى- في التقويم [1] في بيان وجه القول الثالث:"فوجهه أن وجوب الفعل يدل على حرمة الترك ضرورة، كما قاله: أبو بكر [2] إلا أن الحرمة التي تثبت ضرورة لا تكون كالتي تثبت بالنص عليها بالتحريم أو النهي ؛ لأن الثابت بالنص يثبت من كل وجه، والثابت بالضرورة [3] يثبت بقدر ما ترفع به الضرورة، والضرورة ترتفع بكون ضده مكروها لقبح في غيره، وإن كان / في نفسه حسنا، كالصلاة في الأرض المغصوبة [4] "
(1) تقويم الأدلة ، للقاضى أبى زيد الدبوسى: 48 .
(2) أي: أبو بكر الجصاص:رحمه الله تعالى ؛ لأن الأمر المطلق عنده يدل على يقتضي الوجوب على الفور . أصول الجصاص: 1/295 .
(3) بيان الضرورة على أنواع منها ما هو في حكم المنطوق ، مثل قوله تعالى { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ } فهذا بيان على أن الباقي للأب ،ومنها سكوته - صلى الله عليه وسلم - عن تغيير ما يعاينه عند الحاجة إلى البيان ، كسكوت الصحابة رضي الله عنهم عن تقويم منفعة البدن في ولد المغرور ، ومنها ما كان لدفع الغرر كسكوت المولى عن عبده وهو يبيع ويشتري ، فإنه يكون ذلك إذنا له في التجارة لضرورة دفع الضرر عمن يعامل العبد ، ومنها ما ثبت بضرورة الكلام .
أصول السرخسي: 2/50 ، نهاية الوصول إلى علم الأصول: 2/522 .
(4) هذا تمثيل للنهى الذي ثبت لمعنى في غير المنهي عنه بطريق المجاورة فالصلاة = = في ذاتها مشروعة، لكن جاورها وصف خارج، وهو شَغل ملك الغير بالغصب لهذه الأرض.
( وقد اختلف العلماء في الصلاة في الأرض المغصوبة:
فذهب جمهور الفقهاء والأصوليين إلى: أن الصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة - سواء أكانت نفلا أم فرضا - مع عصيان من فعل ذلك ؛ لأنه شغل ملك الغير، فهو متقرب من وجه ، عاص من وجه آخر.
( وذهب الإمام أحمد - رحمه الله - ، والجبائى وابنه من المعتزلة، والظاهرية، والزيدية ، ومن وافقهم إلى: أن الصلاة في الأرض المغصوبة باطلة، وقالوا: هى معصية من كل وجه ، والغرض باق في ذمته.
( وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني والرازي - رحمهما الله تعالى - إلى: أن الصلاة في الأرض المغصوبة معصية، ولكن الفرض يسقط عندها لا بها.
-وهناك رواية أخرى للإمام أحمد: - رحمه الله تعالى - بالتفريق بين كونه عالما بالحرمة أولا، وارتضى هذا التفريق ابن تيمية في الفتاوى.
(قلت: لعل أرجح الآراء في هذه المسألة هو الرأي الأول، الذي يقضى بأن الصلاة صحيحة يثاب عليها، مع تحمل إثم الغصب ، وذلك لاختلاف الجهة ، فالصلاة في الأرض المغصوبة واجبة من جهة كونها صلاة ، والحرمة ثابتة من جهة الغصب والله أعلم .
التقريب والإرشاد:2/355 ، المستصفى:1/79، الوصول إلى الأصول:1/189 199، نهاية الوصول إلى علم الأصول:1/177 179، المحصول:1/195، العدة:1/241، الفروع لابن مفلح:1/293، رد المختار على الدر المختار:1/297،298.