الصفحة 282 من 334

وهذا الأمر الوجوب؛ لعدم القرينة التى تصرفه من الوجوب إلى غيره، ولأن البلاغ واجب في حقه - صلى الله عليه وسلم - بدلا قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ... } [1]

التطبيق:

إذا كان التبليغ في حق الرسول - صلى الله عليه وسلم - واجبا على الفور بالنص السابق، فيكون الكتمان منهيا عنه - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن مهمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مقصورة ومحصورة في البلاغ عن الله- تعالى- بدلالة قوله: { وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ } [2] .

وأما الأمر الثانى في الآية وهو قوله تعالى: { وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا } فيفيد الإرشاد والتأديب مع الله ورسوله، فكأنه تعالى أرشدهم إلى الامتناع عن الكذب فقال: { لَّمْ تُؤْمِنُوا } كنتم تقولون شيئا فقولوا: { أَسْلَمْنَا } .

قال الإمام فخر الدين الرازى- رحمه الله تعالى-: قوله تعالى: { وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا } يقتضى قولا سابقا مخالفا لما بعده، كقولنا:"لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا"ن وفى ترك التصريح به إرشاد وتأديب .. فلم يقل: لا تقولوا آمنا، وأرشدهم إلى الامتناع عن الكذب، فقال: { لَّمْ تُؤْمِنُوا } فإن كنتم تقولون شيئا فقولوا أرما عاما، لا يلزم منه كذبكم: { أَسْلَمْنَا } فإن الإسلام بمعنى الانقياد وقد حصل" [3] ."

وإذا كان الأمر- هنا- يفيد الإرشاد والتأديب، فإنه يقتضى كراهة ضده، وقلنا: بكراهة الضد- وهو"لا تقولوا آمنا"الذى فيه إظهار عدم الحقيقة- ولم نقل بتحريمه؛ لأن الندب والإرشاد يقابله الكراهة.

(1) - المائدة 67 .

(2) - المائدة: 92 .

(3) - مفاتيح الغيب: 14/ 402 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت