وإذا كان هذا الأمر دالا على الوجوب، فيكون دالا على المنع من نقيضه- وهو الصلح المحفوف بالحيف والظلم، وهذا ما صرح الله- عز وجل- بتحريمه في الحديث القدسى، فقال: { إنى حرمت الظلم على نفسى، وجعلته بينكم محرما فلا تظلموا... } [1]
وأما الأمر في قوله تعالى: { واتقوا الله لعلكم ترحمون } فقد تقدم الكلام عنه في الآية الأولى من السورة الكريمة.
* الآية السادسة:
قول الله- عز وجل-: { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم } .
المعنى العام للآية:
هذا هو الخطاب الخامس من الله- تعالى- لعباده المؤمنين، والمعنى: ابتعدوا أيها المؤمنون عن إساءة الظن بالناس- خاصة أهل الخير-؛ فإن بعض الظن إثم وذنب يستحق صاحبه العقوبة عليه، ولا ينبغى لكم أن تبحثوا عن عورات المسلمين، ولا يذكر بعضكم بعضا بالسوء في غيبته بما يكرهه؛ لأن من اغتاب أخاه مثله كمثل الذى يأكل لحم أخيه المسلم وهو ميت، وكونوا من المتقين حتى يتوب الله عليكم [2] .
صيغة الأمر وما تفيده في الآية:
ورد الأمر بطلب الفعل في قوله تعالى: { اجتنبوا } ، وهذا الأمر الصريح يفيد الوجوب، يفيد الوجوب، والذى يدل على وجوب الأمر -هنا- أمور:
منها: التأكيد على إلحاق الإثم لمن يتبع الظن وآثاره المحظورة كما في قوله تعالى: { إن بعض الظن إثم } ، وهذا تعليل لقوله تعالى: { اجتنبوا } [3]
ومنها: التحذير من الظن، وأنه أكذب الحديث كما جاء في صحيح البخارى عن أبى هريرة- رضى الله عنه- أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال:"إياكم والظن؛ فإن الظن اكذب الحديث..." [4] .
(2) - مختصر ابن كثير: 3/364 .
(3) - فتح البيان في مقاصد القرآن، لصديق خان: 9/81 ، 82 .
(4) - تخريج الحديث .