الصفحة 279 من 334

قد تقرر عند أكثر الأصوليين أن الأمر بالشىء يستلزم النهى عن ضده إذا كان له ضد واحد، أو أضداد كثيرة، وأن اللفظ الدال على الطلب الجازم، وجب أن يكون دالا على المنع من الإخلال به بطريق الالتزام [1] .

والأمر في قوله تعالى: { فأصلحوا } دال على وجوب الإصلاح بين المتنازعين من لمسلمين، ونقيض هذا الأمر عدم الإصلاح، وهو منهى عنه نهى تحريم، لأنه من المنكر الذى أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بتغييره كما في قوله عليه السلام:"من أرى منكم فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وهذا أضعف الإيمان" [2] .

بل إن ترك الإصلاح بين المتنازعين من المسلمين يعد خذلانا نهى عنه الشرع على لسان رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - في قوله:"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذ له.." [3] .

ولما كان الأمر في قوله تعالى: { فقالوا } دالا على الوجوب المقيد بغاية، وهو الرجوع إلى أمر الله تعالى. فتكون اضداد هذا الأمر- من ترك قتال أهل البغى، وخذلان الفئة المتعدى عليها، وعدم الامتثال لأمر الله- منهيا عنها نهى تحريم؛ لأن ما فعله الإمام على بن أبى طالب- رضى الله تعالى عنه- مع الخوارج يؤيد ذلك [4] .

* وأما الأمر في قوله تعالى: { وأقسطوا } فهو أمر عام تذييلا للأمر بالعدل الخاص في الصلح بين الفريقين..، أى يجب العدل في صورة الإصلاح، فلا يضيعوا بصورة الصلح منافع عن كلا الفريقين إلا بقدر ما تقتضيه حقيقة الصلح من نزول عن بعض الحق بالمعروف [5] .

(1) - الإحكام للآمدى: 2/393، المحصول للرازى: 1/246

(2) - أخرجه الإمام المسلم: برقم 78.

(3) - المرجع السابق: برقم: 140 .

(4) - أحكام القرآن للجصاص: 5/282 .

(5) - التحرير والتنوير: 25/242 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت