ثم أراد الله- عز وجل- أن يقوى وشيجة الأخوة بين المؤمنين فكرر الأمر بالإصلاح بينهم، للدلالة على أن أخوة الإسلام أقوى من أخوة النسب؛ لأن أخوة النسب لا تعتبر إذا خلت عن أخوة الإسلام.
صيغة الأمر وما تفيده في الآيتين:
ورد الأمر بالإصلاح بين المؤمنين- هنا- ثلاث مرات، وقد عبر المولى- عز وجل- في كل مرة عن طلب الفعل بصيغة من صيغ الأمر الصريح، وهى فعل الأمر { أصلحوا } .
والأمر في المرات الثلاث يفيد الوجوب، وقد تأكد هذا الوجوب بأمور:
الأول: أن في الأمر بالإصلاح النصح والدعاء إلى حكم الله تعالى [1] ، بالإضافة إلى إصلاح ذات البين الذى أمر الله- عز وجل- به في قوله: { وأصلحوا ذات بينكم } [2] .
الثانى: تكرار الأمر بالإصلاح ثلاث مرات في آيتين متتاليتين يؤكد على أخوة الدين التى تستوجب الإصلاح بين الطائفتين المتباغيتين منهم، ببيان أن الإيمان قد عقد بين أهله من النسب الموحى به في القرآن مالا ينقص عن نسب الأخوة الجسدية [3] .
الثالث: ما قاله الإمام الكيا الهراسى في قوله تعالى: { فأصلحوا } ودلالته على وجوب الإصلاح عند التنازع بين المسلمين [4] .
* وأما الأمر قوله تعالى: { فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله } فيفيد الوجوب المقيد بغاية، وهى الرجوع إلى أمر الله، وأمر الله: ما في الشريعة من العدل والكف عن الظلم [5] .
وكذا الأمر في قوله تعالى: { وأقسطوا } يفيد الوجوب بدلالة قوله: { إن الله يحب المقسطين } .
* تطبيق القاعدة على الأوامر الواردة في الآيتين.
(1) - أنوار التنزيل وأسرار التأويل: 5/215.
(2) - سورة الأنفال: آية 1 .
(3) - التحرير والتنوير لابن عاشور: 25/ 244 .
(4) - أحكام القرآن لإلكيا الهراسى: 4/382 .
(5) - أحكام القرآن للجصاص: 5/285، التحرير والتنوير: 25/242 .