ولهذا كان الضد- وهو ترك الأوامر، وفعل المنهيات خاصة سوء الأدب مع الله ورسوله- محرما، وليس من التقوى، وقد سلك القرآن الكريم لإقامة أهم حسن الأدب- مع الله ورسوله- طريق النهى عن أضدادها من سوء المعاملة؛ لأن درء المفسدة مقدم في النظر العقلى على جلب المصلحة [1] .
* الآية الثانية:
قول الله عز وجل: { يا أيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنباء فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين }
المعنى العام للآية:
هذا هو النداء الثالث للمؤمنين في هذه السورة، وما بعده بيان بوجوب التثبت في خبر الفساق، وعدم الاعتماد على أقوالهم، فإنهم يريدون إلقاء الفتنة بين المؤمنين [2] .
ما يفيده الأمر في قوله- عز وجل-:"فتبينوا":
عبر الله- عز وجل- عن طلب الفعل- هنا- بصيغة- الأمر الصريح، وهى فعل الأمر في قوله:"فتبينوا"، وهو أمر مجرد عن القرائن فيفيد الوجوب، ومما يدل على وجوب الأمر:
1-أن من ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار اتفاقا؛ لأن الخبر أمانة، والفسق يبطلها [3] ، ولهذا قال أبو بكر الجصاص:"مقتضى الآية: إيجاب التثبت في خبر الواحد..." [4] .
2-التعليل بإصابة يقع آخرها الندم كما في قوله:"أن تصيبوا"، وهذا يصلح أن يكون علة على وجوب التثبت في قبول الأخبار [5] .
3-دلالة قوله تعالى: { فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } على التحذير من الوقوع فيما يوجب الندم شرعا [6] .
تطبيق القاعدة على أسلوب الأمر في الآية.
(1) - المرجع السابق: 25/219 .
(2) - مفاتيح الغيب، للإمام الرازى: 14/ 369 .
(3) - أحكام القرآن، لابن العربى: 4/ 1703 .
(4) - أحكام القرآن، للجصاص: 5/278 .
(5) - روح المعانى، للألوسى: 25/147، التحرير والتنوير: 25/232 .
(6) - المرجع السابق: 25/234.