بعد إفادة الأمر الوجوب- هنا- صار مقتضى الآية: إيجاب التثبت في خبر الفاسق، وضد ذلك الأمر النهى عن الإقدام على قبول هذا الخبر، والعمل به إلا بعد التبين والعلم بصحة مخبره [1] .
والأمر بالتثبت في قوله تعالى:"فتبينوا"له أضداد، كالإقدام على سماع هذا الخبر، وقبوله، والعمل به، وبناء على ما تحقق نظريا في مسألة الأمر بالشىء والنهى عن ضده، فإن هذا الأمر يقتضى النهى عن سائر هذه الأضداد؛ لئلا يصاب قوم بجهالة، فيقع الندم لكن بعد فوات الأوان.
* الآية الثالثة
قول الله- عز وجل-: { واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون }
المعنى العام للآية
أى اعلموا أن بين أظهركم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعظموه ووقروه، فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم، ولو أطاعكم في أكثر ما تختارون لهلكتم وجهدتم، وفوق ذلك حبب الله تعالى- إلى قلوبكم الإيمان، وبغض إلى نفوسكم أنواع الضلال [2]
ما يفيده أسلوب الأمر في الآية:
عبر المولى- عز وجل- عن طلب الفعل- هنا- بصيغة الأمر الصريح، وهى فعل الأمر في قوله تعالى: { واعلموا أن فيكم رسول الله } ، وهذه الصيغة تفيد الوجوب، وفى الآية ما يدل على ذلك.
أولا: أن قوله تعالى: { واعلموا أن فيكم رسول الله } دال على أنهم جاهلون بقدره عليه الصلاة والسلام، مفرطون فيما يجب من تعظيم شأنه أعلى الله تعالى شأنه [3] .
والمعنى: لا تنسوا أن بينكم رسول الله، وأنه يجب عليكم أن ترجعوا الأمور إلى ما يراه ويأمر به من غير أن تتبعوا أهواء أنفسكم [4] .
(1) - أحكام القرآن، للجصاص: 5/ 278 .
(2) - مختصر ابن كثير: 3/361، الميزان في تفسير القرآن: 18/312 .
(3) - روح المعانى للألوسى: 25/149 .
(4) - الميزان في تفسير القرآن للطباطبائى: 18/313 .