لأن سبب الوجوب - وهو الآيات الدالة على حدوث العالم قائم في حقه، وصحة الأداء تبتنى على صدور الركن ممن هو أهله، بعد تقرر السبب لا على لزوم الأداء.
وركن الإيمان هو الإقرار والتصديق، والأهل هو العاقل المميز والسبب(هو الآيات الدالة على حدوث العالم، وكل ذلك موجود في حق الصبي المميز، فيصح إيمانه، وهذا كتعجيل الدين المؤجل إذا عجله من عليه صح، لوجود سبب الوجوب، وإن لم يكن مخاطبا بالأداء قبل حلول الأجل.
قال شمس الأئمة السرخسي في أصوله: ولهذا صححنا إيمان الصبي العاقل ؛ لأن السبب يتقرر في حقه، والخطاب بالداء موضوع عنه بسبب الصبا ؛ لأن الخطاب بالأداء يحتمل السقوط في بعض الأحوال، ولكن صحة الأداء باعتبار تقرر السبب الموجب لا باعتبار وجوب الأداء، كالبيع بثمن مؤجل، سبب لجواز أداء الثمن، قبل حلول الأجل وإن لم يكن الخطاب بالأداء متوجها، حتى يحل الأجل.
والمسافر إذا صام في شهر رمضان كان صحيحا منه فرضا، لتقرر السبب في حقه، وإن كان الخطاب بالأداء موضوعا عنه، قبل إدراك عدة من أيام أخر وهذا،؛ لأن صحة الأداء تكون بوجود ما هو الركن مما هو أهل / والركن هو التصديق، والإقرار، والأهلية لذلك لا تنعدم بالصبا، فبعد ذلك لا يكون إلا بحجر شرعي،
والقول بالحجر لأحد عن الإيمان بالله تعالى محال. إلى هنا لفظ شمس الأئمة السر خسي.
و في صحة إيمان الصبي خلاف الشافعي [1]
(1) قال العلامة الزنجاني - رحمه الله تعالى -:"إسلام الصبي لا يصح عندنا ، لأن الإسلام لا يعقل إلا بعد تقدم الإلزام ، كما لا يعقل الجواب إلا بعد تقدم ... والإسلام عبارة عن الاستسلام والإذعان، والابتداء بالتبرع لا يسمى إسلاما ولا انقيادا ، كما أن الابتداء بالكلام لا يسمى جوابا، والإلزام منتف في حق الصبي ، فانت في الإسلام"اهـ.
تخريج الفروع على الأصول:246.
وقال صاحب البحر المحيط:"واعلم أن الصبي إنما ينتصب عذرا في العبادات التي تقرر وجوبها بالشرع، ومن قال: إن وجوب الإسلام بالعقل فلا يتصور أن يقدر الصبي عذرا أصلا، ويقول: يجب على الله أن يعاقبه، وهو قول باطل، وبنى عليه الحنفية صحة إسلامه، وأبطله الشافعي- رحمه الله تعالى - ؛لأنه- أي: الصبي - لم يظهر انطواء ضميره"اهـ. البحر المحيط للزركشى:1/437 ، ولمزيد في هذه المسألة عند الشافعية ينظر: الأم للشافعى:5/49، المستصفي:1/98، مغنى المحتاج:3/609،حاشيتا قليوبى وعميرة:3/129 .
قلت: إن ما قاله الإمام بدر الدين الزركشى يحتاج إلى تأمل ونظر، فقوله:"ومن قال: إن وجوب الإسلام بالعقل ... ويقول: يجب على الله أن يعاقبه".
إن كان يقصد بالقائل المعتزلة فالكلام مستقيم ، لأنهم هم الذين يقولون: بالوجوب على الله تعالى. [شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار:ص (39) ، وإن كان يقصد بالقائل الحنفية فالكلام غير مستقيم؛ لأنهم قالوا: العقل دليل ومعرف لوجوب أصل الإيمان ، ولم يقولوا: يجب على الله أن يعاقب الصبي الذي لم يسلم وجمله قوله عامة مشايخهم: إن الصبي العاقل لو أتى بركن الإيمان ، وهو الإقرار والتصديق صح إيمانه ، وإن كان الخطاب عنه موضوع ، وعليه فإن الصبى المميز يكون معذورا إذا مات بدون تصديق ، ولم يخالف هذا القول إلا الإمام أبو منصور الماتريدى- رحمه الله تعالى-فإنه قال:"يجب على الصبى العاقل معرفة الله تعالى"وعليه ، فإن الصبى العاقل إذا مات بدون اعتقاد الإيمان لا يكون معذورا. ... ... ... ... ... ... ... =
ينظر: ميزان الأصول:749 ، بديع النظام الجامع بين كتاب البزدوي والإحكام:1/191 ، التلويح على التوضيح:2/295.
=( والحاصل في هذه المسألة: أن الصبي العاقل إذا أسلم، واتى بركن الإيمان صح ذلك منه ، لأن هذا تابع للفطرة التي ولد عليها ، ولكن لا يجب عليه شيء قبل البلوغ لعموم قوله: عليه الصلاة والسلام:"رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ ، والنائم حتى يستيقظ ، والمجنون حتى يفيق"سبق تخرجه ص .
* وأما ما استدل بعض الحنفية من قصة إسلام الإمام على - رضي الله عنه - فلا ينهض للاحتجاج ، لأن إسلام الإمام على رضى الله عنه كان قبل عام الخندق ، وكانت الأحكام في ذلك الوقت منوطة بالتمييز ، وإنما تعلقت بالبلوغ بعده. أ هـ جاشيا قليوبى وعميرة:3/129.