وهذا الذي قلنا هو اختيار القاضي أبى زيد وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام ومن تابعهم، فأما اختيار صاحب الميزان فبخلاف ذلك، فقال:"الصحيح أن يقال سبب وجوب المعرفة والتصديق له، والإقرار به، هو ترادف نعم الله تعالى على العبد من نعمة الحياة، وسلامة العقل، والبدن، ونحو ذلك."
فإن [النعمة] [1] تقتضى وجوب شكر المنعم، والوجوب بإيجاب الله تعالى، لكن بالعقل يعرف أن كفران النعمة حرام، وشكر المنعم [2] واجب [3]
(1) في ميزان الأصول:749"النعم".
(2) شكر المنعم: عبارة عن استعمال جميع ما أنعم الله تعالى به على العبد من القوى والأعضاء ظاهرة وباطنة مدركة ومحركة ، فيما خلق الله تعالى لأجله ، كاستعمال النظر في مشاهدة مصنوعاته وآثار رحمته ليُستدل على صانعها 0 بيان المختصر للأصفهانى 1/200 .
(3) هذه المسألة -أعنى - وجوب شكر المنعم - مبنية على قاعدة الحسن والقبح العقليين- ، وقد تقرر بطلان هذه القاعدة عند أهل السنة ؛ لأن الحسَن ما حسنه الشرع ، والقبيح ما قبحه الشرع .
وبناء على ذلك يُمتنع القول: بوجوب شكر المنعم عقلا ؛ لامتناع حكم العقل على الأشياء قبل ورود الشرع ، إلا أن الأصوليين من أهل السنة اعتادوا فرض هذه المسألة على سبيل التنزل .
( والحاصل: أن جمهور الأصوليين ومنهم الأشاعرة: قد ذهبوا إلى أن شكر المنعم غير واجب عقلا . بل وجوبه بالشرع؛ لأن الله - عز وجل - قال: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [الإسراء:15 ] فلو كان شكر المنعم واجبا عقلا لما كان لبعثة الأنبياء ؛ إذ لو كان العقل هو الذي يحسن ويقبح فما فائدة إرسال الأنبياء ؟ فضلا عن أن هناك أشياء قد لا يستطيع العقل إدراك حسنها أو قبحها لعلة قد خلقها تعالى لحكمة لا يعلمها إلا الله - عز وجل - ، أو خفيت عنا وربما ظهرت بعد ذلك .
وقالت المعتزلة: شكر المنعم واجب بالعقل ، ثم جاء الشرع مؤكدا لما أدركه العقل وقد وافق المعتزلة على هذا ، القفال الشاشي ، كما قال صاحب [ البحر المحيط: 1/ 149] "ونقل صاحب مسلَّم الثبوت عن الحنفية: إن شكر المنعم واجب عقلا. والفرق بين ما ذهب إليه الحنفية ، وما قاله المعتزلة في هذه المسألة: أن المعتزلة يقولون: العقل بذاته مستقل بوجوب المعرفة ، وعند الحنفية العقل آلة لوجوب المعرفة ، والموجب هو الله تعالى في الحقيقة لكن بواسطة العقل ، وهذا في وجوب المعرفة دون سائر الأحكام . ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ="
= ( والراجح في المسألة- والله أعلم -: عدم قيام الحكم بناء على تحسين العقل وتقبيحه ، وترتب الثواب والعقاب علي ذلك - إلا بالأمر والنهي الصادرين من الشرع
فالمعتزلة قد أصابوا الحق بقولهم بأن الأفعال في نفسها حسنة أو قبيحة ، وأن العقل يدرك هذا الحسن وهذا القبح في بعضها الآخر ، لكن جانبهم الصواب بقولهم بأن العقل هو الذي يستقل بحسن الأفعال وقبحها ، فرأي الحنفية في المسألة هو الأولى بالأخذ ، إذ أنه جمع بين العقل والشرع .
شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار:86.،الإرشاد لإمام الحرمين:268، المستصفي:1/61 ،فواتح الرحموت:1/47 ، نهاية الوصوإلىعلم الأصول:1/136 - 139 ، التلويح على التوضيح:2/335 ، شرح الكوكب المنير لابن النجار:1/308 ، الروضة البهية فيما بين الأشاعرة والماتريدية لأبى عذبة: 320 ، الحكم الشرعي عند الأصوليين لشيخنا الدكتور على جمعة: 125 .