وقال محمد بن إسحاق في رواية ابن بكير عنه: قال أبو عبيدة بن محمد بن عمّار بن ياسر وعبد الله بن أبي بكر بن حزم: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم- حين دخل مكة، وفرّق جيوشه- أمرهم أن لا يقتلوا أحدا إلّا من قاتلهم، إلّا نفرا قد سمّاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وقال: «اقتلوهم وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة» عبد الله بن خطل، وعبد الله بن أبي سرح، وإنما أمر بابن أبي سرح، لأنه كان قد أسلم، فكان يكتب لرسول الله صلّى الله عليه وسلم الوحي، فرجع مشركا، ولحق بمكة، فكان يقول: إني لأصرفه كيف شئت، إنه ليأمرني أن أكتب له الشيء فأقول له: أو كذا أو كذا، فيقول: نعم، وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يقول: «عليم حليم» فيقول له أو اكتب: «عزيز حكيم» فيقول له رسول الله صلّى الله عليه وسلم: كلاهما سواء.
قال ابن إسحاق: حدثني شرحبيل بن سعد أن فيه نزلت: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ «1» ، فلما دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلم مكة فرّ إلى عثمان بن عفان- وكان أخاه من الرضاعة- فغيّبه عنده حتى اطمأنّ أهل مكة، فأتى به رسول الله صلّى الله عليه وسلم فاستأمن له، فصمت رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو واقف عليه، ثم قال: «نعم» فانصرف به، فلما ولّى قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ما صمتّ إلّا رجاء أن يقوم إليه بعضكم فيقتله» ، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله ألا أومأت إليّ فأقتله، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إنّ النبيّ لا يقتل بالإشارة» .
وقال ابن إسحاق في رواية إبراهيم بن سعد عنه: حدّثني بعض علمائنا أنّ ابن أبي سرح رجع إلى قريش فقال: والله لو أشاء لقلت كما يقول محمد وجئت بمثل ما يأتي به، إنه ليقول الشيء وأصرفه إلى شيء، فيقول: أصبت، ففيه أنزل الله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ «2» ، فلذلك أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم بقتله.
(1) سورة الأنعام: الآية (93) .
(*) نفس المصدر السابق ونفس الصفحة.
(2) سورة الأنعام: الآية (93) .