قال سالم بن عبد الله: فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر ليرسلنّ بتلك الصحف، فأرسل بها إليه «1» فأمر مروان فشقّقت.
على أنه قد اختلف في عدد المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الآفاق، فالمشهور أنها خمسة، وقيل: أربعة، وقيل: سبعة، وحبس بالمدينة واحدا والقضية التي ينبغي أن نناقشها الآن هي أهمية عمل عثمان من الناحية القرائية، فإذا كان عمل عثمان مقتصرا على نسخ مصاحف عدة من المصحف الذي كتبه زيد في عهد أبي بكر فأية قيمة يمكن أن تكون لهذا العمل؟ .. ولكي ندرك مغزى هذا العمل جيدا، نرجع إلى ما كان من أبي بكر، فهو قد جمع القرآن، ولكنه احتفظ به في الصحف، وربما كان ذلك منه انتظارا لوقت الحاجة إليه، وأعجله القضاء، وانتقلت النسخة إلى عمر، وقد كان عهده استمرارا لعهد الصديق، فلم تظهر أيضا حينذاك بالناس حاجة إلى تعميم هذا المصحف، إذ كانت سياحة الحفاظ من الصحابة محدودة، ولم تظهر بعد آثار للخلاف في حروف القرآن على نحو ما حدث على عهد عثمان. بل إن عهد عثمان قد مضت منه ست سنوات هادئة من مثل هذه الخلافات، فلما أطلّت برأسها رأى عثمان ومعه الصحابة أن ينشروا هذا المصحف المجموع على أوسع نطاق.
ومعنى هذا أن مصحف أبي بكر كان مكتوبا- كما هو المنطق- على حرف واحد، كما سبق أن قررنا ذلك بالنسبة إلى كتابة كتاب الوحي على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
وإذا كان زيد بن ثابت على ما ورد في الأحاديث الصحيحة «2» من أكثر كتّاب الوحي ملازمة لرسول الله صلّى الله عليه وسلم، ثم هو قد قام بكتابته على عهد أبي بكر، وعلى عهد عثمان، فإن ذلك يدلنا على أن منهج الكتابة كان واحدا في المراحل الثلاثة تقريبا، إلا ما ارتآه عثمان رضي الله عنه من تجويد
(1) انظر تاريخ القرآن: تأليف الدكتور عبد الصبور شاهين ص 116.
(2) البخاري 3/ 196، 197، والإتقان 1/ 57 وما بعدها، والبرهان 1/ 233.