لابد أن نضع إشكاليّة هذا العقل في الحسبان، لأن العقل الاستشراقى الذى يهمّنا هنا أو الذى يهمّنا نحن العرب والمسلمين بصفة خاصة هو جزء منه، ويعمل في إطاره، وبدون فهم ذلك يظل علمنا مفتّتا، وبلا نتائج علميّة.
هذا العقل الاستشراقى الذى يمارس منذ قرون ترجمة القرآن ضمن بحوثه وأعماله المتعدّدة، يبالغ كثيرا في محاولاته فصل القرآن(واعتباره وثيقة تاريخيّة تساعد على
فهم أركيولوجيا الإسلام وفكره بالعودة إلى لحظة الوحى في شبه جزيرة العرب)عن حقيقة كونه، كما يقول هو عن نفسه، كتاب هداية في العقيدة والدين والأخلاق «يصبغ حياة المؤمنين به صبغة خاصة، ولذا فإن دراسته- والترجمة تتم في إطار رؤية دراسيّة- من جانب العقل الاستشراقى الوضعى وكأنه مجرّد سند تاريخى اجتماعى فحسب، وعدم الاهتمام بالبعد الدينى والإيمانى فيه، وبالتالى عدم محاولة دراسة «الإيمان» ذاته، بصفته ظاهرة إنسانيّة قديمة قدم الإنسان- فيها نوع من الإجحاف العلمى والإخلال حتّى بالدراسات الاجتماعيّة والتاريخيّة ذاتها، التى يدّعى الاهتمام بها.
إن محمّد أركون- ذا الأصل الجزائرى- والذى يمثّل فيما يمثّل بعض جوانب هذا العقل الغربى (ونحذر كلمة الاستشراقى هنا) الناقد لذاته لدرجة الثورة عليها (أى تلك الذات) ، يقول:
«لأنى أريد أن أقوم برد فعل ضد العقل السكولاستيكى (المدرسانى كما يترجمها هاشم صالح) المهيمن على الدراسات الاستشراقيّة، فهذا العقل المتعجرف يفرض تحديداته ومناهجه، ليس عن طريق