الصفحة 33 من 71

ولهذا: فقد أصبحت مهمة محمد عبده بعد أن عاد من المنفى -كما يقول الدكتور محمد محمد حسين-:"التقريب بين الإسلام وبين الحضارة الغربية، واتخذ اتجاهه هذا أشكالًا مختلفة؛ فظهر أحيانًا في صورة مقالات أو مشاريع أو برامج تدعو إلى إدخال العلوم العصرية في الجامع الأزهر. وظهر تارة أخرى في صورة تفسير لنصوص الدين من قرآن أو حديث يخالف ما جرى عليه السلف في تفسيرها، ليقرب بها أقصى ما تحتمله، بل إلى أكثر مما تحتمله في بعض الأحيان من قُرب لقيم الغرب وتفكيره؛ لكي يصل آخر الأمر إلى أن الإسلام يساير حضارة الغرب، ويتفق مع أساليب تفكيره ومذاهبه" [1]

جهود الكفار في نشأة العصرانية وصناعتها:

لقد أذن الإنجليز بعودة محمد عبده من منفاه إلى مصر بعد أن تأكدوا من هجره لأفكاره الثورية السابقة، وتبنيه (الفكر العصراني) المتعاون مع الإنجليز والمهادن لهم. يقول الأستاذ غازي التوبة:"كان الاحتلال الإنجليزي عاملًا أساسيًا من عوامل عودة محمد عبده إلى مصر، وقد صرح اللورد كرومر بذلك في كتابه (مصر الحديثة) فقال:"إن العفو صدر عن محمد عبده بسبب الضغط البريطاني.." [2] "

لقد كان الإنجليز رغم احتلالهم لمصر يعلمون أن المجتمع المصري لن يقبل بهم وبأفكارهم بسهولة، بل سيظل يجاهدهم ويعمل على الخلاص منهم؛ لأنهم في نظره (كفار) نصارى محتلون لبلاده. فقد كانت الصفوف وقت احتلال الإنجليز لمصر متمايزة: الشعب المصري المسلم ومن خلفه شيوخ الأزهر من جهة، والمحتل الكافر من جهة أخرى.

(1) ... الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر (1/337) .

(2) ... الفكر الإسلامي المعاصر، ص 33. وانظر: تاريخ الأستاذ الإمام 1/895.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت