الصفحة 32 من 71

لقد أصيب محمد عبده بذهول وصدمة شديدة بعد فشل حركة عرابي وقمعها وتمزيقها، مما جعله -وقد توحد وتفرد في السجن- يعيد النظر في هذا المسلك (الثوري) الخاطئ الذي سار فيه فكانت نهايته موجعة عليه وعلى بلاده. ولكن عبده بدلًا من أن ينتقل من (الثورية) إلى الاعتدال والطريق الوسط القائم على العلم الشرعي ونشره بين الناس وتربيتهم عليه، مع الصبر على جور الحاكم ومناصحته إلى أن يستريح بر أو يستراح من فاجر، بدلًا من هذا ارتد إلى الطرف الآخر المقابل للفكر (الثوري) وهو الاستسلام للواقع والتبشير بالفكر (العصراني) الذي يُطَوع الإسلام وأحكامه بما يوافق العصر، ويجعل ما يسمى"بالتعايش السلمي" [1] مع الكفار هدفًا له، ورأى أن علاج مشاكل المسلمين وضعفهم سيكون في تبني مثل هذا الفكر، إضافة إلى تضخيمه لدور العقل على حساب النصوص الشرعية [2] ؛ فانتقل من النقيض إلى النقيض، ومن مفسدة إلى أخرى أشد منها -كما سيأتي-.

(1) ... وهذا مصطلح كفري خطير لمن عرف مدلولاته، يلغي كثيرًا من الثوابت. فالعجب كيف يستخدمه بعض من لا زلنا نظن به الخير متغافلًا عن ما تحته من شرور ؟!

(2) ... يقول الأستاذ الفيلسوف! سليمان دنيا في كتابه (الشيخ! محمد عبده بين الفلاسفة والمتكلمين، ص26) :"إن الذي لا شك فيه عندي أن الشيخ محمد عبده قد تحيف من حق النصوص، وبالغ في تقدير قيمة العقل". ولبيان انحرافه في هذا الشأن ارجع إلى دراسة الدكتور فهد الرومي:"منهج المدرسة العقلية الحديثة..".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت