فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 54

الوجه الثاني: أن شرط الحديث الثابت أن لا يكون شاذا ، ولا معللا ، وهذا شاذ معلل ، فإنه مخالف لما رواه الثقات الأثبات عن أنس ، وكيف يروي أنس مثل حديث معاوية هذا محتجا به ، وهو مخالف لما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن خلفائه الراشدين ، ولم يعرف عن أحد من أصحاب أنس المعروفين بصحبته أنه نقل عنه مثل ذلك ، ومما يرد حديث معاوية هذا أن أنسا كان مقيما بالبصرة ، ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحد علمناه أن أنسا كان معه ، بل الظاهر أنه لم يكن معه ، والله أعلم .

الوجه الثالث: أن مذهب أهل المدينة قديما وحديثا ترك الجهر بها ، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلا ، قال عروة بن الزبير ، أحد الفقهاء السبعة: أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلا"بالحمد لله رب العالمين"، وقال عبد الرحمن بن القاسم: ما سمعت القاسم يقرأ بها ، وقال عبد الرحمن الأعرج: أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلا"بالحمد لله رب العالمين"، ولا يحفظ عن أحد من أهل المدينة بإسناد صحيح أنه يجهر بها إلا شيء يسير ، وله محمل ، وهذا عملهم يتوارثه آخرهم عن أولهم، فكيف ينكرون على معاوية ما هو شبههم ؟ هذا باطل .

الوجه الرابع: أن معاوية لو رجع إلى الجهر بالبسملة ، كما نقلوه ، لكان هذا معروفا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه ، ولم ينقل ذلك عنهم ، بل الشاميون كلهم خلفاؤهم وعلماؤهم ، كان مذهبهم ترك الجهر بها ، وما روي عن عمر بن عبد العزيز من الجهر بها فباطل لا أصل له .

والأوزاعي إمام الشام ، ومذهبه في ذلك مذهب مالك ، لا يقرؤها سرا ولا جهرا ، ومن المستبعد أن يكون هذا حال معاوية ، ومعلوم أن معاوية قد صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلو سمع النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالبسملة لما تركها حتى ينكر عليه رعيته أنه لا يحسن يصلي ، وهذه الوجوه من تدبرها علم أن حديث معاوية هذا باطل ، أو مغير عن وجهه ... نصب الراية 1/353-354 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت