لقد اعطى ابن سينا امثلة صحيحة وقيمة في دراسته لنشأة الجبال وطبقات الصخور [1] . اذ يرجع تكون الجبال الى عاملين: فالجبال اما ان تتكون نتيجة ارتفاع في قشرة الارض بفعل احد الزلازل الشديدة مثلًا، واما ان تكون نتيجة عمل الماء، بأن يشُقَّ طريقًا جديدًا أو يحفر أودية ويُحدث جبالًا، وقد تجد صخورا لينة واخرى ذات صلابة فيذهب الماء والريح بالصخور اللينة ويترك الاخرى سليمة، وهكذا تحدث اكثر التلال [2] . اما تأكيد ابن سينا بان الماء هو السبب الرئيس في هذه النتائج امر تثبته البقايا المتحجرة التي خلّفتها الكائنات البحرية في جبال كثيرة، وهكذا يقرر ابن سينا في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي هذا التقرير العلمي الصحيح، اذ قال بأن الاحافير (بقايا حيوان او نبات متحجرة في باطن الأرض) انما تتكون بالتحجر [3] .
ولا يستبعد ان تكون القوى المعدنية قد تكونت هناك [4] ، وان تكون المياه قد استحالت ايضًا حجارة، ولكن الأولى ان يكون تكّون الجبال على هذه الجملة وكثرة ما فيها من الحجر لكثرة ما يشتمل عليه البحر من الطين، ثم ينكشف عنه، وارتفاعها لما حفرته السيول والرياح فيما بينها [5] . وعلى هذا فابن سينا أبصر ان تحولات الكرة الارضية لم تنشأ عن الطوفانات الكبيرة كما اعتقد (كُوفْيهِ) ، وانما نتيجة تطورات بطيئة تمتَّ بتعاقب القرون كما أثبت ذلك علم الارض الحديث [6] .
(1) . ... هونكه، شمس العرب، ص 419.
(2) . ... لوبون، حضارةالعرب، ص 485.
(3) . ... مظهر، علوم المسلمين، ص60.
(4) . ... منتصر، الشفاء لأبن سينا، ص258.
(5) . ... ابن سينا، الشفاء، المعادن والآثار العلوية، ص7.
(6) . ... لوبون، حضارة العرب، ص 486.