إن تأجيل عبدالرحمن البت في مسألة من يرشح للإمارة من بعده ومن ثم إعلانه قراره بالصيغة التي عبرت عنها الرواية تتنافى تماما مع ما يعرفه المتابع لعبدالرحمن. فالمتابع الذي يعرف حرص عبدالرحمن لا يملك سوى التردد من قبول فحوى الرواية؛ الأمر الذي يدفعه إلى التساؤل: هل يعقل أن يهمل عبدالرحمن أمر البت في تعيين من سيخلفه ويرجئه إلى ساعاته الأخيرة؟ ولكن وحتى في حالة الأخذ بصيغة الوصية؛ فالسؤال المثار حينه يكون: هل يعقل من عبدالرحمن أن يركن إلى إجراءات غير مضمونة العواقب؟ ألا يعني ذلك أن مؤسس دولة الأمويين في الأندلس سيتوفى وهو لا يعلم من خَلَفه من أبنائه؟ أولا يعني ذلك أيضا أن عبدالرحمن لم يكن متأكدا من كفاءة أحد الابنين؟ أو لم يكن يعنيه تولي أيهما، ولكن ألا يؤدي ذلك إلى الظن أيضا بأن عبدالرحمن كان متعمدا هدم كل ما بناه بنفسه، ويعرض دولته مجددا لأعدائها المتربصين، والذين حاربهم طيلة فترات حكمه. أولا يعني ذلك أيضا زرع العداوات بين أبنائه، وفتح الطريق أمامهم للدخول في المنازعات الشخصية لإحراز الحكم؟ وأخيرا، هل يهمل عبدالرحمن وضع سابقة في تقنين نظام الولاية في دولته الأندلسية الناشئة وهو يدرك تماما أنها ستغدو القاعدة التي سيعمد إليها الأمويون التالون له؟