الصفحة 6 من 76

إن التماس المدخل إلى موضوعنا يقودنا بطبيعة الحال إلى قرطبة، قاعدة الأندلس والحكم الأموي. هناك، وفي بضع ليال سابقة لغرة شهر جمادى الأولى من سنة اثنتين وسبعين ومائة، [1] كان رأس الأمويين وأمير الأندلس يترقب أيامه الأخيرة وهو على فراش مرضه، ومع تجسم شعوره بدنو الأجل، توجب الأمر للأمير المحتضر أن يحصر فكره في أمر من سيولي العهد من بعده، وهو قرار لم يكن قد حسمه بعد، لدولة أقامها"منفردا بنفسه، فمصر الأمصار وجند الأجناد ودوّن الدواوين، ونال ملكا بعد انقطاعه، بحسن تدبيره، وشدة شكيمته"وهي كلمات اعتراف أتت إلى عبدالرحمن من غريمه اللدود، رأس الدولة العباسية أبي جعفر المنصور. [2] ويلتقط ابن عذاري المراكشي طرف الواقعة، ويورد تفصيل ما حدث قائلا:"وقيل إن عبدالرحمن بن معاوية -رحمه الله- لما حضرته الوفاة، وابنه هشام بماردة، وابنه الآخر سليمان بطليطلة، وكّل ابنه عبدالله المعروف بالبلنسي وقال له:"من سبق إليك من أخويك فارم إليه بالخاتم والأمر: فإن سبق إليك هشام، فله فضل دينه وعفافه واجتماع الكلمة عليه، وإن سبق إليك سليمان ، فله فضل سنه ونجدته وحب الشاميين إليه،"تقدم هشام من ماردة قبل سليمان، فنزل بالرصافة، وخاف من عبدالله أخيه، إذ صار متمكنا من قرطبة والقصر والأموال أن يدافعه."

(1) يحدد بعض المؤرخين تاريخ وفاة عبد الرحمن الداخل بيوم الثلاثاء لست بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين ومائة، ولعل الأصح باتفاق أغلب المؤرخين، هو غرة جمادى الأول سنة اثنين وسبعين ومائة، انظر: أحمد بن عبدالوهاب النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب، تحقيق مصطفى أبو ضيف أحمد (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، د. ت.) ، 71 .

(2) لسان الدين بن الخطيب، أعمال الأعلام، تحقيق ليفي بروفنسال (تاريخ أسبانيا الإسلامية) (بيروت: دار الثقافة، 1956م) ، 9-10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت