ألمحت الروايات التي استشهدنا بآراء أصحابها آنفا إلى حقيقة مهمة، وهي أن البت في قضية ولاية العهد كان قد حسم بها في أيام عبدالرحمن، وأن الترشيح كان من نصيب هشام، وليس غيره. ومع التسليم بهذه الخلاصة، يتوجب على البحث الآن طرح سؤالين: (1) إذا كان عبدالرحمن راغبا في خلافة هشام له، واتخذ قراره في ترشيحه لولاية العهد مسبقا، لماذا إذن أبقى الأمر سرا ولم يعلنه صراحة حسما للشكوك؟ (2) وإذا كان الأمر قد حسم لصالح هشام بتلك الصفة، لماذا كان الترشيح لهشام، وهو ليس الأكبر في ترتيب الأبناء، بل كان يسبقه سليمان في الترتيب؛ فهو الأكبر بينما هشام الثاني؟ وأخيرا ما هي مسوغات ترشيح هشام والتجاوز عن سليمان؟
قد لا يكون من السهل تقديم إجابة عن هذه التساؤلات، فالمصادر التاريخية والمراجع تتغافل عن القضية مرة أخرى، ولا تقدم حيالها إجابات شافية، وعليه لا يتبقى سوى اللجوء إلى التساؤلات الفرضية مرة أخرى؛ أيكون سبب إبقاء عبدالرحمن قراره بترشيح هشام لولاية العهد سرا راجعا إلى أنه حينما حان وقت اتخاذ القرار الحاسم هذا كان رجلا متعبا من الجهد الذي بذله لبناء الدولة، والإبقاء عليها، أكان يعرف أن إعلان القرار صراحة سيجلب للدولة مشاكل مجددة؟ ولعل حدس عبدالرحمن كان صائبا هنا، كما كان تقديره لما هو متوقع صحيحا أيضا، فسليمان جلب لدولة أخيه هشام، وعمه الحكم بن هشام من المشاكل والمناهضات ما برهن على صدق مثل ذلك التوقع. هل كان عبدالرحمن، بوصفه قد شعر بحرج الموقف لو أنه سمى ابنه هشاما بالاسم، وفي ذلك تجاوز للأصغر على أخيه الأكبر سليمان؟ أيكون أخيرا، ومع ميله إلى هشام، ركن عبدالرحمن إلى جملة من التدابير وأحكم خيوطها، وأمل أن ينتهي الأمر إلى نهايته المرجوة.