الصفحة 17 من 76

إن إثارة مثل هذه التساؤلات تلجئنا إلى العودة إلى رواية ابن عذاري مرة أخرى؛ فالرواية كما أثبتناها تحوي وقفات ينبغي علينا الوقوف عند خطوطها بعض الشيء. هناك، أولا، العبارة التي قالها عبدالرحمن لابنه عبدالله الذي كان إلى جانب فراشه:"من سبق إليك من أخويك."إن هذه العبارة تلمح بأن عبد الرحمن كان قد ترك الخيار مفتوحا بين ابنيه، كما ترك الفرصة سانحة للاثنين بشرط أسبقية الوصول إلى قرطبة من مركزي ولايتيهما، سليمان من طليطلة، وهشام من ماردة، بيد أن التمعن في هذا الشرط يبين أن السباق المفروض على الأخوين لم يكن سباقا عادلا، لا من حيث المسافة، ولا من حيث توافق نقطة البدء، أو ربما حتى من حيث العلم ببدئه. فمن حيث المسافة وتوافق نقطة البدء، هناك اختلاف معروف ببعد طليطلة، مركز انطلاقة سليمان، منه إلى بعد ماردة، نقطة انطلاقة هشام إلى قرطبة. إن المسافة بين طليطلة وقرطبة، كما يحددها ابن خرداذبه، هي مسرى"عشرون ليلة،"أو"تسع مراحل،"كما هي عند الإدريسي، ويصف الإدريسي مسالك المرتحل من قرطبة إلى طليطلة قائلا:"من أرادها -طليطلة - سار من قرطبة، في جهة الشمال، إلى قبة أريش، أحد عشر ميلا، ومنها إلى دار البقر ستة أميال، ثم إلى بطروش أربعون ميلا .. ومن حصن بطروش إلى حصن غافق سبعة أميال، ومن قلعة غافق إلى جبل عاقور ... ثم قلعة رباح .. وهكذا."وبالمقارنة يحدد الإدريسي المسافة بين قرطبة وماردة بـ"بضع مراحل،"ويصف مسالكها بـ"مرحلة لطيفة"أو"على بعد عشرين فرسخا." [1]

(1) عبيدالله بن عبدالله بن خرداذبه ، المسالك والممالك (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، د. ت.) ، 89؛ أبو عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله بن إدريس الإدريسي الحموي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، د. ت.) ،.580:2-581؛ أبو عبدالله محمد بن أبي بكر الزهري ، كتاب الجغرافية، تحقيق محمد حاج صادق (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، د. ت.) ، 86.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت