فاعلم أن للناس في هذا غلوًا وإسرافًا في أطراف ؛ فمن قائل إنه بدعة أو حرام , وأن العبد إن لقي الله عز وجل بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام , ومن قائل إنه واجب وفرض إما على الكفاية أو على الأعيان , وأنه أفضل الأعمال وأعلى القربات؛ فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله تعالى ؛ وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان , وجميع أهل الحديث من السلف .
قال ابن عبد الأعلى رحمه الله: سمعت الشافعي رضي الله عنه يوم ناظر حفصًا الفرد , وكان من متكلمي المعتزلة يقول: لأن يلقى الله عز وجل العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير من أن يلقاه بشيء من علم الكلام .
ولقد سمعت من حفص كلامًا لا أقدر أن أحكيه .
وقال أيضًا: قد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننته قط , ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في علم الكلام .
وحكي الكرابيسي أن الشافعي رضي الله عنه سأل عن شيء من الكلام فغضب , وقال: سل عن هذا حفصا الفرد وأصحابه أخزاهم الله .
ولما مرض الشافعي رضي الله عنه دخل عليه حفص الفرد فقال له: من أنت؟ فقال: حفص الفرد فقال: لا حفظك الله ولا رعاك حتى تتوب مما أنت فيه .
و قال أيضا: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه فرارهم من الأسد .
وقال أيضا: إذا سمعت الرجل يقول الاسم هو المسمى أو غير المسمى؟ فاشهد بأنه من أهل الكلام ولا دين له .
وقال الزعفراني قال الشافعي: حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في القبائل والعشائر يقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام .
وقال أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب الكلام أبدا , ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل .