فنعم الذابح نعم المذبوح فالتحذير الوارد من الشرع إنما هو عن الظلم لا عن القضاء . فإن الجور في الأحكام واتباع الهوي من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر [1] وعن الحرص عليه والتماسه لأن سبب ذلك الخذلا وعدم السداد فيه نسأل الله العافية .
الفصل التاسع
(( لا يحوز التسمي بقاضي القضاة ) )
لا يجوز أن يلقي القاضي أو رئيس القضاة بقاضي القضاة أو أقضي القضاة فإن أقضي القضاة هو الله سبحانه وتعالي ، ولا يصح إطلاقه علي المخلوقين لأن كل لفظ يقتضي التعظيم والكمال لا يكون إلا له سبحانه وتعالي دون غيره لحدديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (( إن أخنع [2] اسم عند الله رجل تسمي ملك الأملاك لا مالك إلا الله ) ) [3] قال سفيان مثله شاهنشاه وقوله صلي الله عليه وسلم: (( اشتد غضب الله علي من زعم أنه ملك الأملاك ) ) ( أخرجه الطبراني) وألحق بعض المتأخرين بملك الأملاك حاكم الحكام وقد شدد الزمخشري [4] النكير عليه فقال في تفسير قوله تعالي:
{ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [5] .
رب غريق في الجهل والجور من متقلدي الحكومة في زمننا قد لقب أقضي القضاة ومعناها أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر [6] .
(1) - تبصرة الحكام لابن فرحون ، ج1 ، ص 9 .
(2) - معني أخنع: أوضع وأذل والخنوع الذي والاستكانة .
(3) - أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأدب باب تغيير الاسم القبيح ، ج 5 ، ص 245 .
(4) - الزمخشري هو العلاّمة محمود بن عمر بن محمد أحمد الخوارزمي أبو القاسم من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والأدب ولد في قرية زمخشر من قري خوارزم سنة 467 هجرية وتوفي سنة 538 هجرية ومن أشهر كتبه الكشاف في تفسير القرآن الكريم في أربعة مجلدات وكان معتزلي المذهب ، أنظر الأعلام للزركلي ، ج 7 ، ص 128 .
(5) - سورة هود آية [45] .
(6) - فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ، ص 428 .