قال بن فرحون في تبصرة الحكام: اعلم أن كثيرًا من المؤلفين من أصحابنا وغيرهم بالغوا في الترهيب والتحذير من الدخول في ولاية القضاء ، وشددوا في كراهية السعي فيها ، ورغبوا في الإعراض عنها ، والنفور والهرب منها حتي تقرر في أذهان كثير من الفقهاء والصحاء أن من ولي القضاء فقد سهل عليه دينه ، وألقي بيده إلي التهلكة ، ورغب عما هو الأفضل وساء اعتقادهم فيه ، وهذا غلط فاحش يجب الرجوع عنه والتوبة منه والواجب تعظيم هذا المنصب الشريف ومعرفة مكانته في الدين فبها بعث الرسل وبالقيام به قامت السموات والأرض ، وجعله النبي صلي الله عليه وسلم من النعم التي يباح الحسد عليها ، فقد جاء من حديث ابن مسعود عن النبي صلي الله عليه وسلم: (( لا حسد إلا في اثنتين ) )وأورد نصه وقد مر ذكره قال الله تعالي: { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } فأي شرف أشرف من محبة الله ، واعلم أن كل ما جاء من الأحاديث التي فيها تخويف ووعيد إنما هي قضاة الجور العلماء أو الجهال الذين يدخلون أنفسهم هذا المنصب بغير علم ففي هذين الصنفين جاء الوعيد ، وأما قوله صلي الله عليه وسلم: (( منّ ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين ) )فقد أورده أكثر الناس في معرض التحذير من القضاء ، وقال بعض أهل العلم: هذا الحديث دليل علي شرف القضاء وعظيم منزلته وأن المتولي له مجاهد لنفسه وهواه وهو دليل علي فضيلة من قضي بالحق إذ جعله ذبيح الحق امتحانًا لتعظم له المثوبة امتنانا فالقاضي لما استسلم لحكم الله وصبر علي مخالفة الأقارب والأباعد في خصوماتهم فلم تأخذه في الله تعالي لومة لائم حتي قادهم إلي مر الحق وكلمة العدل وكفاهم عن دواعي الهوي والعناد جعل ذبيح الحق لله وبلغ حال الشهداء الذين لهم الجنة وقد ولَّي رسول الله صلي الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ، ومعاذ بن جبل كما مربك ، ومعقل بن يسَّار رضي الله عنهم القضاء