* وأما البحتري (6) : فهو: أبو عبادة الوليد بن عبيد، ولد سنة (206هـ) في قرية منبج، بين حلب والفرات، لعائلة يعود أصلها إلى (بحتر) احد أفخاذ قبيلة (طيء) فأخذ يتردد على مضارب هذه القبيلة، ويرضع من فصاحتها وينهل من مناهلها، فتلقى ثقافته الأولى فيها، وهي بين حفظ آيات القرآن الحكيم وتعلّم أحكام الدين الإسلامي وشيء من السنّة النبوية وبليغ الشعر والنثر وأخبار الفتوح والمغازي ومما يرتبط بأيام العرب وأنسابهم، إضافة إلى جانب من علوم اللغة، ونجد ذلك واضحًا من خلال المرور بديوان شعره (7) الذي يزودك بومضات من أبياته وقصائده التي ترى بريق تلك المناهل فيها.
وجاء في الموسوعة الإسلامية:"وبعد أن وقف محاولاته الشعرية الأولى (223ـ6/837ـ40) على مدح قبيلته، بدأ يبحث عمّن يرعاه فوجد ضالته في أبي سعيد يوسف بن محمد الطائي المعروف بـ: الثّغري والذي في بيته التقى لأول مرة بالشاعر أبي تمام الذي يدعي هو أيضا أنه من طيء وقد أخذ بموهبته الفنية ونصحه بأن يمدح (أهل معرّة النعمان فمدحهم) وأجري له أربعة آلاف درهم.." (8) .
وكان البحتري قد نزل حمص، وعرض شعره على أبي تمام الذي باركه بالتوجيه والتشجيع والنصيحة (9) ، ورحل البحتري إلى بغداد وسرّ من رأى والموصل، وقد كانت سنة (234هـ) التي التقى فيها بالفتح بن خاقان الذي قدمه إلى المتوكل لتبدأ مسيرة حياة البحتري كشاعر بلاط، ثم مدح المنتصر، فالمعتز، المهتدي، والمعتمد، فالمعتضد، وبعد ذلك غادر العراق وصار شاعر البلاط ثانية عند (خمارويه بن طولون) ، بعدها عاد إلى مسقط رأسه، حيث وافاه الأجل سنة (284هـ) .
والذي يتناول ديوان شعره، يجد في أغراضه: المديح، الهجاء، الوصف، الفخر، الحكمة، الغزل، الرثاء، والعتاب والاعتذار، وكان أكبرها في المدح، فهو كأستاذه أبي تمام في أصناف أغراضه، وهذه سمة ذلك العصر.