وكان البحتري قد تبوّأ مكانة رفيعة بين شعراء العربية في استخدام الخيال في التصوير، وتجنّب التعقيد ومستكره الألفاظ، والابتعاد عن الغريب من الاستعارات:"كما امتاز معظم شعره بالاستواء" (10) .
وشعر البحتري يعد وثيقة تاريخية لتصوير مظاهر الحضارة العباسية بأحداثها السياسية والاجتماعية واتجاهاتها الدينية والأدبية.
وبعد هذه اللمحة الموجزة التي خرجنا بها من ديواني الشاعرين كمنطوق أولي يتقدم المادة النقدية التي التزم بها الآمدي (ت370هـ) في موازنته بين الطائيين بعد الخصومة التي نشبت بين أنصارهما (11) .
فاني سأعرض بشكل موجز بعض ما ورد في الموازنة من آراء وموضوعات نقدية متناولًا منهجه في رصد المادة العلمية التي ألف بها كتابه، موضحًا ذلك بين النظرية والتطبيق.
وسأعتمد نسخة السيد احمد صقر في تثبيت النصوص والهوامش لكمالها، ونقصان نسخة محمد محيي الدين عبد الحميد.
مقدمة الآمدي:
لقد اخذ الآمدي على نفسه عهدًا في كتابه هذا بأن يكون موضوعيا في موقفه، ومحايدًا معتمدا الحق، ومتجنبًا الهوى.
ومن خلال مقدمة الموازنة (12) نستفيد أن الآمدي قد وجد أمامه من يقف إلى جانب أبي تمام ومن يقف إلى جانب البحتري، فمن فضّل أبا تمام فقد"نسبه إلى غموض المعاني ودقتها، وكثرة ما يورده مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج، وهؤلاء أهل المعاني والشعراء أصحاب الصنعة ومن يميل إلى التدقيق وفلسفي الكلام" (13) ، ومن فضّل البحتري فقد"نسبه إلى حلاوة اللفظ، وحسن التخلّص، ووضع الكلام في مواضعه، وصحة العبارة، وقرب المأتى، وانكشاف المعاني، وهم الكتّاب والأعراب والشعراء المطبوعون وأهل البلاغة" (14) ,