الصفحة 2 من 29

فأبو تمام (1) : هو حبيب بن أوس الطائي، ولد في قرية جاسم ـ من أعمال دمشق ـ سنة (190هـ) من أبوين فقيرين، وتنقل به أبوه الى مصر، وكان حبيب في ذلك الحين صغيرًا، فلبثوا هناك يشتغلون بمهن بسيطة، حيث تولى هذا الشاب سقاية المصلين في جامع عمرو بن العاص بالفسطاط، وكان لطول إقامته في المسجد بين أئمة اللغة والفقه والحديث والمنطق، مما حبب إليه الأدب فتعلّم العربية وحفظ الكثير من شعر العرب فنمت شاعريته، ثم عاد إلى الشام ولبث فيها مدة يمدح رؤساء وولاة الدولة، وذاع اسمه في الجزيرة وبلاد الشام، ثم قدم إلى العراق حيث قصد حاضرة العالم آنذك وعاصمة الخلافة العباسية (بغداد) ، فاتصل بالبلاط العباسي ومدح الخليفة المعتصم وبعضًا من وزرائه وولاته وقواده كالوزير محمد بن عبد الملك الزيات والحسن بن وهب ـ أحد رؤساء الكتاب ـ ومحمد بن حميد الطوسي الطائي ـ أحد القواد ـ.

وكذلك قصد خراسان وبلاد الكرج وأرمينية، ومدح من مدح، فانبسطت الدنيا أمام شاعرنا وتفتحت له أبواب الخير والعطاء، فصار من ذوي المال واليسار حتى أن الحسن بن وهب ـ صاحب ديوان الرسائل ـ قد ولاه بريد ولاية الموصل، فأقام بالموصل ما يقارب السنتين وتوفي بها سنة 231هـ.

وديوان شعره يضم ثمانية أغراض (2) : مديح، هجاء، عتاب، وصف، فخر، حكمة، غزل، ورثاء. وكان أكثر تلك الأغراض وأجلها (المديح) حيث جاء في ما يقرب من (157) مائة وسبع وخمسين قصيدة مديح استغرقت الجزئين الأول والثاني من الديوان (3) .

وانك لتجد أثر ثقافة عصره جليا في شعره، فغذى حصيلته الفكرية من مناهل القرآن الكريم بصورة خاصة، ومن أدب العرب وتاريخهم وأمثالهم وأساطيرهم وعقائدهم إضافة إلى الفلسفة وعلم المنطق (4) ، ليضم كل ذلك إلى الرائع من معانيه والجميل من صوره، ولكنه ينزع في معظم ذلك إلى الأغراب في اللفظة وتركيب الصورة في الصورة خالطًا بين الألوان مهتمًا بوجوه التصنيع وعلى درجة واضحة من الزخرفة البديعية (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت