الصفحة 16 من 29

والشعر لمح تكفي إشارته ... ... وليس بالهذر طوِّلت خطبه (82) .

وكما قال أيضًا:

ومعان لو فصّلتها القوافي ... هجّنت شعر جرول ولبيد

حزن مستعمل الكلام اختيارًا ... وتجنّبن ظلمة التعقيد

وركبن اللفظ الفريب فأدركـ ... ن به غاية المراد البعيد (83)

وقال الآمدي:"لأن الشعر أجوده أبلغه، والبلاغة إنما هي إصابة المعنى وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة مستعملة سليمة من التكلّف، لاتبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة، ولاتنقص نقصانًا يقف دون الغاية" (84) .

وتلك هي طريقة العرب في دقة المعاني وبلاغتها، في حسن التأليف وبراعة اللفظ مما يزيد المعنى بهاء وحسنا ورونقًا،"ولهذا قال الناس: لشعره ديباجة، ولم يقولوا ذلك في شعر ابي تمام" (85) ، وهذه هي الصياغة التعبيرية المألوفة للشعر العربي ـ كما يراه الآمدي ـ.

وللبحتري ملاحظة نقدية في شعر ابي تمام، إذ قال:"جيّده خير من جيدي، ورديئي خير من رديئه" (86) . وحلل الآمدي هذا النص قائلًا:

"إن قوله هذا يدل على أن شعر أبي تمام شديد الاختلاف، وشعره شديد الاستواء، والمستوي الشعر أولى بالتقدمة من المختلف الشعر، وقد أجمعنا ـ نحن وأنتم ـ على أن أبا تمام يعلو علوًا حسنا وينحط انحطاطا قبيحًا، وان البحتري يعلو ويتوسط،ولايسقط، ومن لايسقط ولا يسفسف أفضل ممن يسقط ويسفسف" (87) .

فالآمدي اعترف للبحتري بشدة الاستواء وأنه أولى بالتقدمة لعدم وجود الساقط والسفساف في شعره، بخلاف رأيه في أبي تمام والذي وصفه بشدة الاختلاف والانحطاط القبيح والسفساف والساقط في شعره.

وقد أقر في خاتمة هذا التحليل بأن البحتري أفضل من أبي تمام.

ومع هذا وذاك من الميل وعدمه، فإن الآمدي قدم لنا بحثًا نقديًا بين النظرية والتطبيق خص به الشعر المحدث، مبينًا خصائصه المهمة، وعرض لنا روح العصر والمسائل التي تسربت اليه عبر ذوقه وأذواق من درسهما في الموازنة.

وقد دعانا إلى عدم مطالبته أيهما أشعر عنده على الاطلاق (88) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت