إن دوافع السلوك في المجتمع الإسلامي الذي تهيمن عليه العقيدة كانت في صدر الإسلام تتأثر كثيرًا بالتطلع إلى ما عند الله، إلى الجزاء الأُخرَوِي وصفوة المؤمنين عادة لا يشركون دوافع أخرى في سلوكهم، إذ لابد من إخلاص النية لله تعالى في كل أعمال المسلم سواءًا أكانت جهادًا بالنفس أم نشاطًا اجتماعيًا أم اقتصاديًا أم سياسيًا، فعمل المسلم في كل مجالات الحياة يدور حول إرضاء الله تعالى، ويعرف المسلم أنه إذا أشرك في نيته وآثر الدنيا فإنه يحبط عمله، كما ورد في الحديث الشريف »إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له وابتغي به وجهه« (16) . وإذا كان هذا التصور يتحكم في كثير من المسلمين الملتزمين اليوم، فكيف كان أثر ذلك في جيل الصحابة والتابعين وهم خير القرون!
إن معرفة أثر الإسلام في تربية أتباعه في صدر الإسلام، وتزكية أرواحهم والتوجه إلى الله وحده بالعبادة والمجاهدة، يجعل من البدهي التسليم بأن الدافع لهم في تصرفاتهم وسلوكهم لم يكن دافعًا دنيويًا بقدر ما كان وازعًا دينيًا وأخلاقيًا يحث على فعل الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولأجل ذلك يجب استعمال الأسلوب النقدي في التعامل مع المصادر التاريخية، وعدم التسليم بكل ما تطرحه من أخبار، وإحالة رواياتها قبل القبول بها على المجرى العام للمرحلة التاريخية لمعرفة هل يمكن أن تتجانس في سداها ولحمتها مع نسيج تلك المرحلة أم لا؟
وهكذا توضع الوجهة العامة للمجتمع الإسلامي وطبيعته وخصوصيته في الحسبان، وينظر إلى تعصب الراوي أو الإخباري أو المؤرخ من عدمه، فمن لاحت عليه إمارات التعصب والتحيز بطعن أو لمز في أهل العدالة والثقة من الصحابة، أو مخالفة لأمر معلوم في الشريعة أو عند الناس، أو معاكسة طبيعة المجتمع وأعرافه وقيمه الثابتة، ففي هذه الأحوال لا يؤخذ منه ولا يؤبه بأخباره لأن التحيز والتعصب حجاب ساتر عن رؤية الحقيقة التاريخية.
وللحديث بقية..
الهوامش: