وعند البحث مثلًا عن الأسباب التي أدت إلى انتصار المسلمين في معركة اليرموك سوف نجد أن عدد الروم ستة أضعاف عدد المسلمين، وجيش الروم جيش نظامي مدرب وجيد التسليح، بينما الجيش الإسلامي أقل منه عددًا وعدة وتدريبًا، ويقاتل بعيدًا عن مركز الخلافة، ومع ذلك حصل له النصر المبين.
على أن المتأمل والباحث في الأسباب المادية المنظورة بحثًا عقليًا مجردًا لا يستطيع أن يقبل نتيجة المعركة رغم أنها متواترة حسًا وواقعًا، وهذا يرجع إلى الجهل بالعوامل الحقيقية المحركة للتاريخ الإنساني في غيبة العلم الصحيح وإلى إغفال سنن الله في الخلق، وهي سنن ثابتة وصارمة، (( فلن تجد لسنة الله تبديلاْ، ولن تجد لسنة الله تحويلاْ ) ) (7) ، ومن السنن التي أوضحها القرآن الكريم قانون التدافع أو سنة الصراع بين الإيمان والكفر عبر تاريخ الإنسانية الطويل وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، ومن خلال هذا الصراع يختبر الله عباده المؤمنين ويميزهم بالابتلاء (( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسَّتهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب ) ) (8) .
ويبين سبحانه وتعالى أن المؤمنين إذا تميزوا بالثبات على العقيدة والإيمان وأداموا ذكر الله وطاعته ووحدوا صفوفهم واعتصموا بالصبر، فإن النصر حليفهم وإن كانوا قلة (( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) ) (9) ، (( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاْ ) ) (10) ، (( وكان حقاْ علينا نصر المؤمنين ) ) (11) ، (( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) ) (12) ... إلى غير ذلك من السنن الساطعة والحقائق الثابتة.