أما أهل المدينة وهم الأنصار الذين آووهم في بيوتهم وواسوهم بالمال ونصروهم، فقد قدموا بذلك المثل الصادق للأُخُوّة الإسلامية، تلك الأُخُوّة التي لم يجعلها الإسلام لفظًا فارغًا أو تحية تثرثر بها الألسنة، وإنما عملًا مرتبطًا بالدماء والأموال، وبعواطف الإيثار والمواساة التي ملأت المجتمع المدني بأروع الأمثال.
قال تعالى في شأن هذه المواقف الإيمانية: (( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاْ من الله ورضواناْ وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون * والذين تبوَّأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) ) (4) .
كما أن المجاهد المسلم عندما يقاتل في سبيل الله يعلم أنه ليس وحده الذي يقاتل الكفار، وأنه لا يقاتلهم بكثرة الجنود ولا بتفوق السلاح وحده إن توفر ذلك له وإنما يقاتل بالإيمان الصادق الذي يحمله، وبما يعلمه من تأييد الله للمجاهدين الصادقين، وما يمدهم به من وسائل مادية ومعنوية كقتال الملائكة إلى جانبهم أو تسخير عوامل طبيعية لهم أو تثبيت قلوبهم بإنزال السكينة والطمأنينة عليهم، أو بما يمدهم به من الصبر وقوة التحمل، ورباطة الجأش إلى غير ذلك من الوسائل المنظورة وغير المنظورة.. فقد أنزل الله الملائكة يقاتلون إلى جانب المسلمين في معركة بدر، قال تعالى: (( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) ) (5) . وأرسل الله ريحًا شديدًا فرقت الأحزاب المحاصرة للمدينة يوم الخندق، قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليها ريحا وجنوداْ لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيراْ ) ) (6) .