إن القرآن والسنة يعطيان الباحث المفاهيم والمبادئ التي يمكن في ضوئها تفسير أحداث التاريخ والحكم عليها، هذا علاوة على ذكر ما سيؤول إليه حال الأمة الإسلامية وما يصيبها من التفرق، وما يكون فيها من حركات الإصلاح والتجديد، والإشارة إلى عدد من الأحداث والفتن، والموقف من بعضها، وقد اعتنى أهل السنة بجمعها ووضع أبواب لها في مصنفاتهم (3) .
ولئن كانت المادة التاريخية في كتب السنة ليست بالمقدار نفسه الموجود في المصادر التاريخية، إلا أن لها أهميتها لعدة اعتبارات منها:
أن معظم مؤلفيها عاشوا في فترة مبكرة، وأغلبهم من رجالات القرن الثاني والثالث الهجري، مما يميز مصادرهم بأنها كانت متقدمة.
ثم إن المحدثين يتحرون الدقة في النقل، الأمر الذي يجعل الباحث يطمئن إلى رواياتهم أكثر من روايات الإخباريين.
على أن المحدث كان عند جمهور المسلمين أشرف موضوعًا، وأسمى منزلة من الإخباري، ويرجع ذلك إلى ضبط المحدث ودقته وتمحيصه للروايات التاريخيه وتحريه في القول، بينما كان الإخباري مظنة للإغراب والتلفيق والاختلاق.
القاعدة الثانية: الفهم الصحيح للإيمان ودوره في تفسير الأحداث:
إن دارس التاريخ الإسلامي إن لم يكن مدركًا للدور الذي يمثله الإيمان في حياة المسلمين، فإنه لا يستطيع أن يعطي تقييمًا علميًا وواقعيًا لأحداث التاريخ الإسلامي.
وعلى سبيل المثال: فهجرة المسلمين من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة كانت هجرة من أجل المبدأ، يوجهها الإيمان الذي كان بالنسبة للمسلمين المهاجرين المحرك الذي ساق الأفراد والجماعات إلى مصائرهم وإلى صنع تاريخهم، فلم تكن هجرة من أجل الوطن أو المال أو المنصب، إذ تركوا من ورائهم وطنهم وأموالهم ودورهم ومتاعهم فرارًا بدينهم من الفتن واستمساكًا بعقيدتهم، فقدموا بذلك مثالًا عاليًا من التضحية والإخلاص في سبيل أن تكون كلمة الله هي العليا.