وقد تابع الباحثون العرب الغربيين في كل شيء حتى في المصطلحات ذات العلاقة بالتوزيع الجغرافي والتوزيع التاريخي التي لا صلة لها بواقعهم أو تاريخهم ، ففي إطار التوزيع الجغرافي وضع الغربيون مصطلحات الشرق الأدنى والشرق الأوسط والشرق الأقصى ، وهي مصطلحات يستعملها العرب اليوم بلا بصيرة ؛ وذلك لأن المستعمر الأوربي اعتبر نفسه في مركز الأرض فأطلق هذا التوزيع بالنسبة لموقعه.
وكذلك التوزيع التاريخي مثل العصور القديمة والعصور الوسطى والعصور الحديثة ، فهذا التوزيع يتميز بمراحل وتقلبات تاريخية عاشتها أوربا مما يجعل لكل فترة من هذه الفترات خصائص ومفاهيم مستقلة تبعًا للتطورات والانقلابات الفكرية والعقائدية التي عاشتها أوربا في كل حقبة من هذه الحقب: فالعصور القديمة تميزت بالوثنيات الإغريقية والرومانية ، ثم جاءت العصور الوسطى فعرفت هيمنة الكنيسة وتسلط البابوية ، بينما كان من سمات العصور الحديثة ظهور النظم العلمانية والدول الحديثة.. أما التاريخ الإسلامي بما فيه تاريخ الأنبياء فهو وحدة واحدة بالنظر إلى المفاهيم والمبادئ السائدة فيه التي لا تتبدل تبعًا لتبدل الزمان والدول والحكام ؛ لأنه تاريخ أمة ذات عقيدة واحدة ثابتة لا يطرأ عليها التغيير ، ولذلك ليس بلازم أخذ هذا التوزيع الأوربي ولا متابعتهم عليه ؛ لأنه يفتت تاريخنا ويوجد الحواجز بين عصوره.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أدعو الباحثين والمؤرخين المسلمين إلى تقديم دراسات مفصلة تكشف عن حقائق التاريخ الإسلامي، وصياغة منهج نقدي تعامل وفقه الروايات التاريخية، والمساهمة في تصحيح الأفكار والمفاهيم والعودة بالنشء إلى المنابع الصافية في الكتاب والسنة ؛ لأن تاريخ هذه الأمة بمثابة عرضها وشرفها ، إذ هو القناة التي أوصلت لنا هذا الدين جملة وتفصيلًا وبقدر ما تتلوث القناة يتلوث المنقول خلالها.