*عدم تجاوز النقل الثابت إلى إيراد الظنون والفرضيات، ومن فضل الإسلام أن نهى عن ذلك ، ولم يفعل هذا مؤرخ فاضل، ولم يقل أحد أن حسن الأدب هو السكوت عن الكذب، وإنما حسن الأدب هو رده وتنقية سيرة الصدر الأول منه ، كما أن حسن الأدب يقتضي السكوت عن الظنون ، والكف عن اقتفاء ما لا علم لنا به يقينًا ، وكثيرًا ما تلح على المرء في هذا شهوة الاستنتاج ودعوى التحليل ، وقد أمرنا الشرع أن تكون شهادتنا يقينية لا استنتاجية فيما نشهد من حاضرنا، ففي الآية (( إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ) ) (10) ، فكيف بمن يشهد بالظن والهوى فيمن أدبر من القرون؟!
*إن الإسلام له منهجه في الحكم على الرجال والأعمال ، فهو يأمر بالشهادة بالقسط وعدم مسايرة الهوى في شنآن أو في محبة ، ويأمر باتباع العلم لا الظن ، وتمحيص الخبر والتثبت فيه أن يصاب قوم بجهالة ، وهذا في حق كل الناس ، فكيف بخير القرون؟!
القاعدة السادسة الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل وإنصاف:
والأصل في هذه القاعدة قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى ، واتقوا الله ، إن الله خبير بما تعملون ) ) (11) .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: »والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل ، وليس بجهل وظلم كحال أهل البدع« (12) .
ويدخل ضمن هذه القاعدة العدل في وصف الآخرين ، والمقصود به هو العدل في ذكر المساوئ والمحاسن والموازنة بينها.
فمن المعلوم أن أحدًا لا يسلم من الخطأ لقول النبي: »كل بني آدم خطاء« (13) ، ولذلك ينبغي للمسلم إذا وصف غيره ألا يغفل المحاسن لوجود بعض المساوئ ، كما لا ينبغي أن يدفن المحاسن ويذكر المساوئ لوجود عداوة أو شحناء بينه وبين من يصفه ، فالله عز وجل أدبنا بأحسن الأدب وأكمله بقوله: (( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) ) (14) .