ثم نراه يقوم بوقفها على ذريته بعد مماته قربة لله تعالى، يحدوه قول الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلاَّ من ثلاثة: إلاَّ من صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له) [1] .
قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ في شرحه لهذا الحديث:"إنَّ عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدُّد الثواب له إلاَّ بهذه الأشياء الثلاثة، التي منها: الصدقة الجارية، وهي الوقف، وقال:"وفيه دليل لصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه" [2] ."
فلذلك نرى تقي الدين محمد بن فهد قام هنا بالجمع بين الفضيلتين الصدقة الجارية ـ المتمثلة في حبس الكتب على ذريته ليضمن بقاءها واستمراريّة دورها ـ وبين نشر العلم بغية الأجر والثواب من الله تعالى.
وأخذت مكتبة تقي الدين محمد بن فهد تكبر وتزدهر من بعده، وذاع صيتها بين العلماء، لما تحويه من نفائس وأمهات الكتب، تحت عناية ورعاية مَنْ وقفت عليهم من آل ابن فهد من الورثة من أبنائه وأحفاده العلماء، مع التجديد والإضافات لكلّ منهم عن طريق التأليف والنسخ والشراء، ويظهر ذلك من خلال تراجمهم، وكان أوّلهم ابنه الحافظ نجم الدين عمر بن فهد المتوفي عام (885هـ ـ 1480م) ، ثم حفيده الحافظ عز الدين عبد العزيز بن عمر المتوفي عام (954هـ ـ 1547م) ـ كما سنبيّنه في موضعه ـ.
(1) مسلم: الصحيح بشرح النووي، 11/85، ابن ماجه، المصدر السابق، 1/88، أبو داود، المصدر السابق، 3/117.
(2) مسلم، المصدر السابق نفسه، وكما هو معلوم الوقف ينقسم إلى قسمين: وقف عام يكون على المصالح والمنافع العامة، كالمسجد والمدارس والمستشفيات إلخ، ووقف ذري أو (خاص) ـ بمعنى
واحد ـ يكون على ذريّة الواقف، كما عمل تقي الدين محمد بن فهد في وقف كتب مكتبته على ذريّته الذكور.