... وذلك لأن واقع المسلمين في ذلك الوقت لم يكن يمكنهم من الجهاد؛ فقد كانوا قلة في العدد ، ولم يكن لهم من الرجال والعتاد والسلاح ما يواجهون به قوة الكفر في مكة يومئذٍ ، ولكن عندما هاجر المسلمون إلى المدينة وأصبح لهم دار ودولة ومنعة وأنصار، فرض القتال ؛ لتغير الحال الذي كانوا عليه في مكة ، فمن ضعف انتقلوا إلى قوة ، ومن قلة إلى كثرة وأنصار ، فكان الواقع مناسبًا لأمر القتال ، يقول ابن كثير: ( كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة وإن لم تكن ذات النصب ، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم ، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين ، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليتشفوا من أعدائهم ، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة ، منها قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض ، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال ، فلهذا لم يؤمروا بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار) [1] .
-ومن الأمثلة كذلك على مراعاة الشريعة الإسلامية لحال المكلفين وواقعهم أن الله تعالى شرع كثيرًا من الأحكام الاستثنائية التي أطلق عليها علماء الأصول الرخص ، وهي أحكام طارئة يستلزمها حال المكلف ، حيث تعرف بأنها: ( ما شرع تخفيفًا لحكم مع اعتبار دليله قائم الحكم ، لعذر خوف تلف النفس أو العضو) [2] ، وقيل في تعريفها أيضًا: (هي الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر هو المشقة والحرج ) [3] ، وعلى هذا فإن الرخصة هي حكم شرعه الله تعالى في حالات خاصة تستدعي التخفيف لما فيها من مشقة أو حرج أو ضيق أو تلف ، مع قيام الحكم الأصلي معمول به عند زوال العذر أو الظرف المعين .
(1) ) تفسير ابن كثير (1/526) .
(2) ) التقرير والتحبير (2/195) .
(3) ) التمهيد للأسنوي (1/71) .