-ومن حكمة الله تعالى كذلك أنه أراد أن يأخذ هذه الأمة إلى ترك باطلها وعقائدها الفاسدة شيئًا فشيئًا ، وأن يعتادوا ويتلزموا أوامر الإسلام درجة درجة ، فالله تعالى هو ربهم الذي خلقهم وهو أعلم بضعف حالهم ونوع طبعهم، الذي يصعب معه انتقالهم من حياة ألفوها واعتادوها إلى حياة أخرى مختلفة تمامًا بصورة فجائية ، ومن هنا كان نزول القرآن الكريم وشرائعه مفرقًا [1] ؛ حيث بدأ القرآن الكريم أولًا بتزكية أرواحهم وتذكيرهم بيوم الحساب ، ثم بعد أن تهيئوا نزلت الأحكام مفرقة ليكون ذلك أدعى للامتثال والطاعة ، ولقد عبَّرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن هذا بقولها: ( ..إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدًا ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدًا ) [2] .
-ومن الأدلة على مراعاة الشريعة الإسلامية للحال والواقع أن الله تعالى لم يأمر المؤمنين بالقتال إلا بعد أن هاجروا إلى المدينة ؛ يقول الإمام القرطبي مبينًا ذلك: ( ...ولا خلاف في أن القتال كان محظورًا قبل الهجرة بقوله:( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) [3] ، وقوله: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [4] ، وقوله: (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) [5] ، وقوله: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) [6] ، وما كان مثله مما نزل بمكة ، فلما هاجر إلى المدينة أمر بالقتال فنزل: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ) [7] ) [8] .
(1) ) انظر مناهل العرفان في علوم القرآن (1/41) .
(2) ) صحيح البخاري (4/1910) ، كتاب فضائل القرآن ، باب تأليف القرآن .
(3) ) المؤمنون:96
(4) ) المائدة: من الآية13
(5) ) المزمل:10
(6) ) الغاشية:22
(7) ) البقرة:190
(8) ) تفسير القرطبي (2/347) .