ولعل من أجمل العبارات في أمر مراعاة الشرع للواقع وتغير الفتوى؛ قول ابن القيم في مقدمة فصل عنون له بتغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد: ( هذا فصل عظيم النفع جدًا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة ، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ، ورحمة كلها ، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة ، وإن أدخلت فيها بالتأويل ، فالشريعة عدل الله بين عباده ، ورحمته بين خلقه ، وظله في أرضه ، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها) [1] .
بين مراعاة الواقع وتغييره:
... ومن الأمور التي يمكن أن تكون مثار حديث في هذا المقام ، قضية العلاقة بين مراعاة الواقع وتغييره ، وما هو المقصود في نهاية المطاف من مراعاة الواقع؟ وهل مراعاة الواقع تعني ترك الانحراف والإفساد دون محاولة تغييره ؟ .
... لا أحسب أن الإجابة هنا تحتاج إلى كثير جهد في نظمها وإيضاحها ، فإن ما تقدم من بيان في المباحث المتقدمة عن كيفية مراعاة الشريعة للواقع والحال ، وما يتعلق بذلك كافٍ في هذا المقام ، ولكن إن كان من ملخص لذلك فإن المقصود هو أن الواقع إن كان عرفًا أو عادة ، أو كان حدثًا طارئًا ، أو أمرًا عابرًا ، لابد للفقيه من تأملٍ فيه قبل إصدار الأحكام ، ناظرًا وفاحصًا للمصالح والمفاسد ، معتمدًا على قواعد الشرع في استنباط الأحكام ، متأملًا في النتائج والمآلات ، متوقعًا تحقق مقاصد الشرع من الحكم الذي توصل إليه ، ولا تعارض لذلك مع وجوب درء المفاسد المشتمل عليها الواقع .
(1) ) إعلام الموقعين (3/3) .