... وإذا كانت المصلحة المرسلة على هذه الدرجة من الأهمية في ميزان الشرع الإسلامي ، فإن المفتي والمجتهد لا بد له من إلمام بالواقع ، ليدرك ما فيه من مصالح حقيقة تعتبر شرعًا ، لأن المصلحة المعتبرة ليست هي ما يظهر من أول النظر تحقق نفع فيها ، ولكن هي ما توافرت فيها شروط [1] تدرك بعمق تأمل ، وكمال بحث ، وتمام معرفة بواقعها وحالها .
? يعتبر القياس أحد أدلة الأحكام عند جمهور الأصوليين ، وهو مبني على أربعة أركان هي: الأصل والحكم والعلة والفرع [2] ، فالأصل هو المحل الذي جاء في شأنه حكم الشرع ، والحكم هو ما دل عليه النص أو الدليل ، والعلة هي مناط الحكم، أي ما أضاف الشرع الحكم إليه وناطه به ونصبه علامة عليه [3] ، مثل الإسكار علة في تحريم الخمر ، وأما الفرع فهو المحل أو الأمر الذي يراد الوصول إلى حكمه قياسًا على الأصل ، وعندئذ يتوجب لإكمال عملية القياس معرفة الفرع معرفة تامة تمكن من التحقق من وجود العلة أو عدمها ، فإذا كانت العلة موجودة ألحق الفرع بالأصل في الحكم ، ولا شك أن المفتي إذا لم يكن مدركًا لواقع الحال لهذا الأمر ، لن يستطيع أن يتحقق من وجود العلة في الفرع ، وبالتالي لا يستطيع إجراء علمية القياس .
? إن الكثير من القواعد الفقهية التي مرَّ ذكرها تحتاج إلى إدراك المفتي للواقع والحال إدراكًا تامًا ، حتى يتمكن من تطبيق هذه القواعد على الأمور المستجدة ، فمثلًا لن يتمكن من الموازنة بين المصالح والمفاسد ، أو يعرف أي المفسدتين أكثر ضررًا ، وأبعد تأثيرًا ، إذا لم يكن عميقًا في معرفة هذه الحالة التي يراد الوصول لحكم فيها .
(1) ) ومن شروط المصلحة أن تكون مصحلة حقيقة وليست وهمية ، وعامة وليست خاصة ، وأن لا يعارض التشريع لها نصًا شرعيًا ، انظر أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف ص 86 .
(2) ) انظر المستصفى (1/280) ، وشرح التلويح على التوضيح (2/113) .
(3) ) انظر المستصفى (1/281) .