ههنا يمكنني الاطمئنان إلى أن موقف السيوطي من الأغلاط اللغوية لا يتسم بالأصالة، ولا ينبئ عن أن هذا الرجل لغوي ذو رأي واضح، ومعيار ثابت. بل هو لغوي انتقائي انطباعي، يعجبه الرأي فينسخ نصه كاملًا أو يلخصه. وقد يعجبه رأي آخر بعد حين فينسخه من غير أن ينعم النظر في مخالفته الرأي السابق ومناقضته له. ومن ثم نراه يخطئ شيئًا بعد تصويبه، أو يبدي حماسة للاحتجاج بقراءات القرآن الكريم كلها، ولكنه في أثناء التطبيق لا يتمكن من الإفادة من هذه القراءات في تصويب كلام العرب. كما يبدو حذرًا من الاحتجاج بالحديث الشريف نظريًا، ولكنه يحتج به كثيرًا في أثناء التطبيق.
وقد توافرت للسيوطي مؤلفات اللغويين والنحاة والقراء والمحدثين، ولكنه لم يفد منها في تقديم معيار للصواب يلخص به ما انتهى العلماء إليه بعد فراغهم من جمع اللغة وتقعيد القواعد وتدوين الحديث والقراءات القرآنية، بل إنه قصّر عن سابقيه، لأنهم عالجوا لحن العامة والخاصة استنادًا إلى وجهات نظرهم وما توافر لهم من نصوص، في حين كرر السيوطي ما ذكروه من غير التفات إلى تطور اللغة العربية بين زمنهم وزمنه. كما فاته أن الرواية والدراية وغيرهما من الأعمال اللغوية انتهى زمنها، واستقرت أمورها في مؤلفات ومعجمات حلت محل مشافهة الأعراب والخلاف بين المدارس النحوية واللغوية.